دخل المشهد السوري مرحلة شديدة التعقيد مع عودة حركة القوافل البرية والشاحنات المحملة بالوقود العراقي المتجهة نحو المتوسط، وهو التطور الذي أثار تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الممرات، هل هي طريق لـ “المقاومة” وتثبيت نفوذ المحور الإيراني، أم هي طريق لـ “التجارة” والتعافي الاقتصادي السوري المتعثر؟
إن صراع الأجندات الدولية يطل برأسه بوضوح فوق كل شاحنة تعبر الحدود السورية العراقية، حيث تتشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية في سباق محموم للسيطرة على هذه الشرايين الحيوية، فبينما تسعى دمشق وبغداد لكسر طوق العزلة الاقتصادية وتأمين موارد الطاقة، تنظر واشنطن وحلفاؤها بريبة إلى هذه التحركات، معتبرين أن “ستار التجارة” قد يخفي وراءه تعزيزًا للتموضع العسكري واللوجستي للفصائل الموالية لطهران، مما يحول الممرات البرية السورية إلى ساحة مواجهة صامتة بين “ضرورات البقاء” الاقتصادي و”حسابات الهيمنة” الاستراتيجية.
ممر “الثروات والظلال”.. التداخل بين الدعم اللوجستي والتبادل التجاري
وقالت مصادر: إن الشاحنات العابرة من العراق إلى سوريا تمثل اليوم أكثر من مجرد وسيلة لنقل المشتقات النفطية؛ فهي تمثل “رئة” يتنفس منها الاقتصاد السوري الخاضع لعقوبات دولية مشددة، ولكن في المقابل، تدرك الأجهزة الاستخباراتية الدولية أن السيطرة على هذه الطرق تمنح أطرافًا بعينها القدرة على تحريك “الأصول العسكرية” والكوادر البشرية تحت غطاء التبادل التجاري.
هذا التداخل بين ما هو “مدني” وما هو “عسكري” جعل من طرقات البادية السورية ومناطق دير الزور ساحة لـ “حرب الظلال”، حيث يتم استهداف بعض القوافل أو عرقلتها بناءً على تقييمات أمنية تشير إلى استخدامها في تعزيز “محور المقاومة”، وهو ما يجعل التاجر السوري والعراقي يجد نفسه عالقًا في وسط صراع دولي لا ناقة له فيه ولا جمل، سوى رغبته في تأمين لقمة العيش وتدفق السلع عبر الحدود التي كانت مغلقة لعقود.
تحت المجهر الأمريكي.. قاعدة “التنف” وحسابات قطع الأوصال البرية
لا يمكن قراءة صراع الأجندات فوق الشاحنات السورية دون النظر إلى التموضع الأمريكي في قاعدة “التنف” الاستراتيجية، والتي تقع بالقرب من المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، واشنطن تعتبر أن مراقبة حركة المرور البري هي حجر الزاوية في استراتيجيتها لمنع قيام “جسر بري” يربط طهران ببيروت عبر بغداد ودمشق.
ومع زيادة وتيرة تصدير الوقود العراقي برًا في مطلع أبريل 2026، كثفت القوات الأمريكية من عمليات المراقبة الجوية والاستخباراتية لرصد أي تحركات مريبة، هذا الضغط الأمريكي يضع الحكومة العراقية في موقف حرج، حيث تحاول موازنة علاقتها مع واشنطن مع حاجتها لتصدير فوائضها النفطية برًا ومساعدة الجار السوري، وهو ما يجعل من “طريق التجارة” ممرًا محفوفًا بالمخاطر السياسية والدبلوماسية التي قد تنفجر في أي لحظة.
السيادة السورية المفقودة.. من يدير فعليًا خيوط “الترانزيت”؟
في ظل الانقسام الميداني، يبرز تساؤل مرير حول “السيادة” الوطنية السورية على هذه الممرات، فبينما تعلن الحكومة المركزية في دمشق سيطرتها على الطرق الدولية، تكشف الوقائع عن تعدد مراكز القوة التي تدير فعليًا حركة الشاحنات، من ميليشيات محلية تفرض رسوم العبور، إلى قوى إقليمية تؤمن الحماية الجوية والبرية للقوافل، وصولاً إلى شركات نقل خاصة مرتبطة بمراكز نفوذ سياسي.
إن “صراع الأجندات” لا يدور فقط بين الشرق والغرب، بل يدور أيضًا في الداخل السوري بين أطراف تسعى لتحويل “الترانزيت” إلى مورد مالي خاص، وأطراف أخرى تراه وسيلة لاستعادة هيبة الدولة، هذا التضارب يجعل من الأمن على الطرق السورية هشًا، حيث تظل الشاحنات عرضة للاستفزازات أو المصادرة بناءً على موازين القوى المتغيرة في المناطق التي تعبر من خلالها.
آفاق 2026.. هل تتحول سوريا إلى “عقدة وصل” أم تبقى “ساحة صراع”؟
يبقى مستقبل الممرات البرية السورية رهينًا بمدى القدرة على فصل “المسار الاقتصادي” عن “المسار العسكري”، فإذا نجحت دمشق في إقناع المجتمع الدولي بأن هذه الطرق هي شرايين تجارية بحتة تهدف لخدمة الشعوب وتسهيل حركة البضائع.
فقد تشهد سوريا طفرة في قطاع “الترانزيت” تعيد إنعاش الليرة السورية المنهكة، أما إذا استمر استخدام هذه الطرق كبيادق في صراع النفوذ الإقليمي تحت مسمى “طريق المقاومة”، فإن الشاحنات ستظل هدفًا مشروعًا للعمليات العسكرية والعقوبات.
ومع نهاية عام 2026، سيتقرر ما إذا كانت سوريا ستستعيد دورها التاريخي كجسر يربط الشرق بالغرب، أم ستظل مجرد ممرات محروقة في حرب الأجندات التي لا تنتهي، ليبقى الدينار العراقي والليرة السورية هما الضحيتين الأكبر في معادلة “الوقود مقابل السيادة”.

