ذات صلة

جمع

مأساة اليمن.. كيف حولت الميليشيات الحوثية حياة الأبرياء إلى جحيم مستمر؟

ما يزال اليمن يرزح تحت وطأة مأساة إنسانية وُصفت...

مستقبل السودان الغامض.. كيف تؤثر تحالفات البرهان مع “الإخوان” على فرص السلام؟

في ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها السودان منذ اندلاع...

السودان في هاوية الفوضى.. كيف تسبب البرهان في أكبر كارثة إنسانية عالمية؟

يواجه السودان واحدة من أعقد وأخطر الأزمات الإنسانية والسياسية...

مستقبل الصراع في أوكرانيا.. هل ينهي السلاح النووي أحلام الناتو في التوسع شرقًا؟

دخل الصراع في أوكرانيا منعطفًا هو الأخطر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث لم يعد الحديث مقتصرًا على الدبابات والمدافع والطائرات المسيرة، بل انتقل إلى مستوى التلويح المباشر باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية والاستراتيجية.

إن التصريحات الأخيرة التي أطلقها نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري مدفيديف، بخصوص إمكانية استهداف أوكرانيا وبريطانيا وفرنسا بالخيار النووي، تعكس تحولاً جذريًا في العقيدة العسكرية الروسية التي باتت ترى في توسع حلف الناتو تهديدًا وجوديًا لا يمكن صدّه بالوسائل التقليدية وحدها.

هذا التصعيد الكلامي لا يهدف فقط إلى ترهيب كييف، بل هو رسالة مشفرة ومباشرة في آن واحد لعواصم القرار الأوروبي، مفادها أن الاستمرار في دعم أوكرانيا بأسلحة بعيدة المدى قد يجر القارة العجوز بأكملها إلى كارثة نووية لا تُبقي ولا تذر، مما يضع أحلام الناتو في التوسع أمام اختبار حقيقي ومصيري.

استراتيجية الردع الروسية

تعتمد موسكو في الوقت الراهن على استراتيجية “التصعيد من أجل التهدئة”، وهي عقيدة عسكرية تهدف إلى إخافة الخصم عبر رفع وتيرة التهديد بالأسلحة غير التقليدية لإجباره على التراجع أو الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط روسية.

إن إقحام بريطانيا وفرنسا تحديدًا في قائمة الأهداف المحتملة لم يأتِ من فراغ، بل لكونهما القوتين النوويتين الوحيدتين في أوروبا إلى جانب روسيا؛ مما يعني أن الكرملين يريد تذكير لندن وباريس بأن الانخراط العميق في الصراع الأوكراني لن يجعلهما بمنأى عن النيران إذا ما اندلعت المواجهة الكبرى. هذه التهديدات تهدف بالدرجة الأولى إلى إحداث شرخ في وحدة الصف الأطلسي.

حيث تراهن روسيا على أن الناخب الأوروبي والقيادات السياسية في الغرب قد يعيدون النظر في جدوى دعم أوكرانيا إذا ما شعروا أن كلفة هذا الدعم قد تكون فناء مدنهم الكبرى تحت ضربات الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.

أحلام الناتو في التوسع.. هل تصطدم بصخرة الرعب النووي؟

لطالما كان توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) نحو الشرق هو الشرارة التي أشعلت فتيل الأزمة، واليوم يبدو أن هذا التوسع قد وصل إلى طريق مسدود أو “منطقة محرمة” نوويًا.

إن الرغبة الجامحة لبعض القادة في الناتو لضم أوكرانيا أو تحويلها إلى ترسانة عسكرية متقدمة تصطدم بواقع أن روسيا تمتلك أكبر مخزون من الرؤوس النووية في العالم، وهي مستعدة لاستخدامها إذا ما شعرت أن أمنها القومي في خطر داهم.

يرى المحللون العسكريون، أن التلويح بالنووي يهدف إلى إنهاء فكرة انضمام أوكرانيا للحلف للأبد، وتحويلها إلى منطقة عازلة منزوعة السلاح، لأن أي محاولة لضمها رسميًا ستعني تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى حرب عالمية ثالثة تبدأ وتنتهي بالأسلحة النووية.

وبالتالي، فإن السلاح النووي الروسي يعمل حاليًا كـ “كابح اضطراري” أمام طموحات الناتو التي لم تعد تأخذ في الحسبان الحساسيات الأمنية الروسية.

التداعيات الجيوسياسية.. قلق أوروبي وصمت استراتيجي

تسببت تصريحات مدفيديف في موجة من القلق العارم داخل الأوساط السياسية في أوروبا، حيث تتأرجح ردود الأفعال بين الاستنكار والبحث عن سبل لخفض التصعيد دون الظهور بمظهر الضعف. فرنسا وبريطانيا، بصفتهما القوتين المستهدفتين بالخطاب الروسي، تدركان أن المواجهة النووية لا رابح فيها، ولذلك تبرز أصوات داخل هذه الدول تنادي بضرورة فتح قنوات اتصال خلفية مع موسكو لتجنب أي سوء تقدير قد يؤدي إلى إطلاق صاروخ واحد يغير وجه التاريخ.

وفي المقابل، يرى الجناح المتشدد في الناتو أن التراجع أمام هذه التهديدات سيعطي روسيا تفويضًا مطلقًا للتحكم بمصير القارة الأوروبية، مما يجعل العالم يعيش في حالة من “اللاحرب واللاسلم” تحت ظلال الرؤوس النووية، وهو وضع يستنزف الموارد الاقتصادية والبشرية لجميع الأطراف ويضع مستقبل النظام العالمي برمته على كف عفريت.

هل ينجو العالم من فخ المواجهة الكبرى؟

في نهاية المطاف، يبدو أن الصراع في أوكرانيا قد تجاوز مرحلة البحث عن نصر عسكري ميداني ليصبح صراعاً على بقاء النماذج السياسية والأمنية العالمية.

إن استخدام السلاح النووي، رغم استبعاده من قبل الكثير من الخبراء كخيار عقلاني، يظل قائمًا كاحتمال تقني وسياسي إذا ما ضاقت الخيارات أمام صانع القرار في الكرملين وإن مستقبل أوكرانيا بات رهينة لهذا التوازن المرعب.

حيث يبدو أن أحلام الناتو في التوسع قد تم تجميدها فعلياً تحت وطأة التهديدات الروسية الجدية. إن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما العودة إلى لغة الدبلوماسية واحترام مناطق النفوذ والاتفاقيات الأمنية المتبادلة، وإما المضي قدمًا في سياسة حافة الهاوية التي قد تنتهي بانفجار ينهي الحضارة البشرية كما نعرفها، ليبقى السؤال الأهم، هل يمتلك قادة القوى العظمى الحكمة الكافية لتجنب سيناريو “يوم القيامة”؟