منذ اللحظات الأولى لاندلاع الشرارة العسكرية في شرق أوروبا، لم تكن الحرب الروسية الأوكرانية مجرد نزاع حدودي أو صراع على النفوذ الإقليمي، بل تحولت سريعًا إلى زلزال جيوسياسي أعاد إلى الأذهان كوابيس الحرب الباردة وصراع البقاء النووي.
لقد كشفت هذه الحرب أن مفهوم “الردع النووي”، الذي حافظ على سلام نسبي بين القوى العظمى لعقود، قد بدأ يتآكل أمام طموحات الهيمنة والمخاوف الأمنية الوجودية.
فالتلويح المتكرر من جانب موسكو باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية، والردود الحذرة والمدروسة من جانب حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وضع العالم أمام حقيقة مرعبة مفادها أن “الخطوط الحمراء” لم تعد ثابتة كما كانت، وأن احتمالية الخطأ في التقدير قد تؤدي إلى كارثة تتجاوز حدود القارة الأوروبية لتشمل الكوكب بأسره، مما استدعى مراجعة شاملة للعقائد العسكرية النووية في واشنطن ولندن وباريس وبكين.
تآكل المعاهدات الدولية وانهيار جدار الثقة
إن العودة إلى مربع التهديد النووي لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة سنوات من التصدع في معمار الأمن الدولي وانهيار معاهدات الحد من التسلح التي كانت تنظم العلاقة بين واشنطن وموسكو.
الحرب في أوكرانيا كانت بمثابة الرصاصة الأخيرة التي أُطلقت على اتفاقيات مثل “نيو ستارت” وغيرها، حيث تلاشت قنوات التواصل الدبلوماسي العسكري التي كانت تهدف إلى منع التصعيد غير المقصود.
هذا الانهيار خلق حالة من “العمق الاستراتيجي المفقود”، حيث باتت كل قوة عظمى تنظر إلى تحركات الطرف الآخر بريبة مطلقة، مما دفع روسيا إلى تحديث ترسانتها من الصواريخ العابرة للقارات والأسلحة الفرط صوتية، بينما سارعت الولايات المتحدة لتحديث مظلتها النووية في أوروبا.
إن غياب آليات الرقابة المتبادلة جعل من “الردع” عملية قائمة على التخمين بدلاً من اليقين، وهو ما يرفع من وتيرة المخاطر ويجعل من فكرة “المواجهة المباشرة” سيناريو قابلاً للتنفيذ في حال شعرت أي قوة بتهديد وجودي لمصالحها الحيوية.
العقيدة النووية الروسية وتغيير قواعد الاشتباك
لقد شكلت التصريحات الروسية الرسمية بخصوص إمكانية اللجوء إلى السلاح النووي في حال تعرض “وحدة أراضي روسيا” للخطر منعطفًا خطيرًا في إدارة الصراعات الحديثة. موسكو لم تعد تكتفي بالردع الدفاعي، بل استخدمت السلاح النووي كـ “درع سياسي” لتأمين عملياتها العسكرية التقليدية ومنع التدخل الغربي المباشر في أوكرانيا.
هذا النوع من “الابتزاز النووي” – كما يصفه الغرب – أعاد صياغة قواعد الاشتباك، حيث أصبح النووي أداة هجومية في الخطاب السياسي وليس مجرد وسيلة أخيرة للدفاع.
هذا التطور دفع المحللين العسكريين إلى التساؤل عن مدى مرونة العقيدة الروسية الجديدة، وهل يمكن أن تنجر القوى العظمى إلى استخدام “أسلحة نووية تكتيكية” ذات تدمير محدود في ميدان المعركة، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى سلسلة من الردود الانتقامية التي لا يمكن السيطرة عليها، لتنتهي في نهاية المطاف بمواجهة نووية شاملة تنهي مظاهر المدنية الحديثة.
رد الفعل الغربي وإعادة إحياء استراتيجيات الناتو
على الجانب الآخر، لم يقف حلف الناتو مكتوف الأيدي أمام هذه التهديدات، بل بدأ في إعادة تفعيل استراتيجيات الردع النووي التي كانت قد تراجعت أهميتها بعد سقوط جدار برلين.
الولايات المتحدة، كقوة نووية قائدة في الحلف، قامت بتعزيز حضورها النووي في القارة العجوز، ليس فقط من حيث العتاد، بل من حيث الرسائل السياسية الصارمة التي تؤكد أن أي استخدام للسلاح النووي سيقابل برد “كارثي”.
ومع ذلك، يواجه الغرب معضلة صعبة؛ فالتصعيد الكبير قد يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، والسكوت قد يُفهم كضعف يشجع موسكو أو قوى أخرى مثل الصين وكوريا الشمالية على انتهاج ذات الأسلوب.
لذا، نجد أن الحلف الأطلسي يتبنى سياسة “الغموض الاستراتيجي”، حيث يترك الباب مفتوحًا لكل الاحتمالات دون تحديد طبيعة الرد، بهدف إبقاء الخصم في حالة من القلق الدائم، وهو تكتيك قديم جديد يهدف إلى الحفاظ على توازن الرعب دون الانزلاق إلى الهاوية.
التداعيات العالمية وسباق التسلح في القوى الناشئة
أدت الحرب الأوكرانية إلى إرسال رسالة سلبية لبقية دول العالم بخصوص نزع التسلح النووي؛ فالدول التي لا تملك مظلة نووية باتت تشعر بالضعف أمام القوى الكبرى، وهو ما قد يحفز موجة جديدة من الانتشار النووي في مناطق ملتهبة مثل الشرق الأوسط وشرق آسيا.
الصين، بمراقبتها اللصيقة للمشهد الأوكراني، بدأت في تسريع برنامجها النووي للوصول إلى حالة التكافؤ مع الولايات المتحدة وروسيا، إدراكًا منها أن القوة النووية هي الضمانة الوحيدة لمنع أي تدخل خارجي في شؤونها المستقبلية، خاصة فيما يتعلق بملف تايوان.
إن العالم اليوم لا يواجه قطبية ثنائية كما في السابق، بل يتجه نحو “تعددية نووية” تجعل من عمليات التنسيق ومنع التصعيد أمرًا غاية في الصعوبة.
هذا السباق المحموم نحو التسلح يستنزف الموارد الاقتصادية للدول ويضع السلم العالمي تحت رحمة قرارات فردية قد تتخذ في لحظات غضب أو تضليل استخباراتي.
مستقبل الردع في عالم ما بعد أوكرانيا
يبدو أن حرب أوكرانيا قد وضعت نهاية لـ “أوهام السلام الدائم” التي سادت بعد الحرب الباردة، وأعادت الاعتبار للسلاح النووي كعنصر أساسي في العلاقات الدولية.
إن إعادة إحياء مخاوف المواجهة النووية المباشرة تتطلب من القوى العظمى العودة فوراً إلى طاولة المفاوضات لإنشاء “هندسة أمنية جديدة” تحترم الخطوط الحمراء للجميع وتضع ضوابط صارمة لاستخدام القوة.
إن الردع النووي، رغم قسوته، كان وما يزال “الشر الذي لابد منه” لمنع الحروب الكبرى، ولكن استخدامه كأداة للتهديد اليومي يقوض جوهر وجوده ويحول العالم إلى حقل ألغام كبير، وإن التاريخ سيسجل أن الأزمة الأوكرانية كانت نقطة التحول التي إما أن تقود البشرية نحو وعي جديد بخطورة أسلحة الدمار الشامل، أو تكون الخطوة الأولى نحو انتحار جماعي تحت وطأة الانفجارات الذرية، ليبقى الأمل معلقًا على حكمة القادة وقدرتهم على تغليب لغة العقل على لغة القوة.

