ذات صلة

جمع

أوجاع بيروت.. كيف ساهم السلاح غير الشرعي في عزل لبنان عن محيطه العربي؟

يعيش لبنان فصلاً جديدًا من فصول أزمته الوجودية التي...

مستقبل أوكرانيا في كفة الميزان.. هل تقبل واشنطن “الوصاية المشتركة” مع موسكو؟

دخلت الحرب الروسية الأوكرانية منعطفًا سياسيًا هو الأخطر من...

سرقة لقمة العيش.. كيف يعرقل الحوثي المساعدات الدولية ويحولها لمقاتليه؟

تعد الأزمة الإنسانية في اليمن واحدة من أسوأ الكوارث...

سلاح الجوع.. كيف يستخدم الجيش السوداني السيطرة على المعابر لخنق الخصوم؟

مع دخول الصراع السوداني عامه الثالث في 2026، برزت...

سيناريوهات الانفراج.. هل تفتح مسيرات العاصمة الباب أمام حوار وطني شامل بتونس؟

شهدت العاصمة التونسية في الساعات الأخيرة زخماً شعبياً وحقوقياً...

مستقبل أوكرانيا في كفة الميزان.. هل تقبل واشنطن “الوصاية المشتركة” مع موسكو؟

دخلت الحرب الروسية الأوكرانية منعطفًا سياسيًا هو الأخطر من نوعه منذ اندلاع الشرارة الأولى للعمليات العسكرية، حيث أطلقت موسكو مؤخرًا بالون اختبار دبلوماسي يتمثل في إبداء استعدادها لمناقشة فكرة “إدارة خارجية مؤقتة” لأجزاء من الأراضي الأوكرانية أو للدولة ككل في سياق تسوية شاملة.

هذا التصريح الذي صدر عن مسؤولين رفيعي المستوى في الكرملين لم يكن مجرد عرض عابر، بل يعكس تحولاً في الاستراتيجية الروسية من محاولة الحسم العسكري الكامل إلى محاولة شرعنة النفوذ عبر قنوات دولية تضمن تفكيك بنية النظام الحالي في كييف.

إن طرح فكرة الإدارة الخارجية يعني بالضرورة اعترافًا روسيًا بأن الحسم العسكري الميداني قد وصل إلى حالة من الجمود التكتيكي، مما يتطلب إطارًا سياسيًا جديدًا يمكن من خلاله تقاسم المسؤوليات أو النفوذ مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وهو ما يضع مفهوم السيادة الأوكرانية في مهب الريح ويحول البلاد إلى ساحة لتجارب “الوصاية الدولية” التي شهدها العالم في حقب سابقة.

رد الفعل الأمريكي ومبدأ السيادة

تجد واشنطن نفسها اليوم أمام معضلة استراتيجية كبرى في التعامل مع هذا العرض الروسي المستفز والطموح في آن واحد؛ فمن جهة، تلتزم الإدارة الأمريكية علنيًا بمبدأ “لا شيء عن أوكرانيا بدون أوكرانيا”، وهو ما يعني رفض أي نقاش حول إدارة خارجية تهمش الحكومة الشرعية في كييف.

ومن جهة أخرى، تعاني مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة من ضغوط متزايدة بسبب الفاتورة الباهظة للدعم العسكري والمالي المستمر، ما قد يجعل فكرة “الوصاية المشتركة” أو الإدارة المؤقتة خيارًا “واقعيًا” تحت الطاولة لمنع انزلاق المواجهة إلى حرب نووية أو انهيار كامل للجبهات.

إن القبول بمناقشة هذا المقترح يعني ضمنيًا الاعتراف بفشل مشروع دمج أوكرانيا الكامل في المنظومة الغربية، والعودة إلى مربع “المناطق العازلة” التي تدار بتوافق القوى العظمى، وهو سيناريو تخشاه كييف وتعتبره خيانة لتضحياتها، بينما يراه تيار “الواقعية السياسية” في واشنطن كحل مر قد يكون ضروريًا لوقف نزيف الاقتصاد العالمي وتثبيت خطوط التماس الحالية.

أوكرانيا بين الرفض والمخاوف السياسية

بالنسبة للحكومة الأوكرانية، فإن مجرد طرح فكرة “الإدارة الخارجية المؤقتة” يعد بمثابة إعلان حرب سياسي يستهدف تقويض شرعية الدولة ومؤسساتها التي صمدت لسنوات في وجه الآلة العسكرية الروسية.

ترى كييف أن موسكو تحاول عبر هذا المقترح الالتفاف على إخفاقاتها الميدانية من خلال تصوير أوكرانيا كـ”دولة فاشلة” تحتاج إلى وصاية دولية، وهو ما يمهد الطريق لتقسيمها فعليًا على غرار سيناريوهات الحرب الباردة.

وتتخوف الدوائر السياسية في أوكرانيا من أن تؤدي الضغوط الاقتصادية على الحلفاء الغربيين إلى دفعهم للقبول بـ”حل وسط” يتضمن نوعًا من الإدارة المشتركة في المناطق المتنازع عليها، مما يعني خسارة الأراضي بشكل دائم تحت غطاء إداري مؤقت.

هذا التوتر بين طموحات كييف في السيادة الكاملة وبين “البراغماتية” الروسية المقترحة يضع القيادة الأوكرانية في موقف حرج، حيث يتعين عليها تعزيز جبهتها الداخلية وإثبات قدرتها على الإدارة الذاتية في وقت تتزايد فيه التحديات اللوجستية والمعيشية التي يفرضها استمرار الصراع.

أبعاد الوصاية وتحديات التطبيق الميداني

إذا ما انتقل مقترح “الإدارة الخارجية” من حيز التصريحات إلى طاولة المفاوضات، فإن تحديات التطبيق ستكون هائلة ومعقدة؛ فكيف يمكن صياغة إدارة تشارك فيها روسيا والولايات المتحدة ودول أوروبية في ظل انعدام الثقة المطلق بين هذه الأطراف؟

إن فكرة الإدارة المؤقتة تتطلب قوات حفظ سلام دولية، وتوافقًا على القوانين التي ستحكم هذه المناطق، وآلية لتوزيع الموارد وإعادة الإعمار، وهو ما يبدو مستحيلاً في ظل الاستقطاب الحالي.

علاوة على ذلك، فإن التاريخ يثبت أن “الإدارات المؤقتة” غالبًا ما تتحول إلى وضع دائم يؤدي إلى تجميد النزاع بدلاً من حله، كما حدث في نماذج سابقة حول العالم.

روسيا تراهن على أن الوقت يعمل لصالحها، وأن الغرب سيبحث في النهاية عن “مخرج مشرف” يضمن عدم انتصار بوتين بالكامل وعدم هزيمة الناتو، وتأتي “الوصاية المشتركة” كغطاء مثالي لهذا النوع من الصفقات الجيوسياسية الكبرى التي تضحي بمصالح الدول الصغيرة لصالح استقرار القوى العظمى.

مستقبل الصراع وفرص الانفراجة الدولية

في ختام المشهد، يظل مستقبل أوكرانيا معلقًا بين فوهة البندقية وطاولات التفاوض التي بدأت تظهر عليها مقترحات كانت تعد “محرمات” في السابق.

إن العرض الروسي بمناقشة الإدارة الخارجية المؤقتة هو إشارة واضحة على أن المرحلة القادمة من الصراع ستكون “دبلوماسية خشنة” تهدف إلى انتزاع تنازلات سيادية مقابل وقف إطلاق النار.

وسواء قبلت واشنطن هذا العرض أو رفضته، فإن مجرد طرحه قد كسر الجمود الفكري حول كيفية إنهاء الحرب وإن الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان المجتمع الدولي مستعدًا للعودة إلى نظام “مناطق النفوذ” والوصاية الدولية، أم أن أوكرانيا ستنجح في الحفاظ على قرارها الوطني المستقل الأكيد هو أن العالم في 2026 لم يعد كما كان، وأن خارطة أوروبا قد تشهد تغييرًا إداريًا وجغرافيًا يعيد صياغة مفهوم الدولة الوطنية في القرن الحادي والعشرين، في ظل صراع إرادات لا يرحم الضعفاء.