ذات صلة

جمع

بين المنهج والبنادق.. كيف يُوظف الحوثيون مؤسسات الدولة لنشر فكرهم الطائفي؟

منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء، لم...

شبح الإرهاب.. هل تنجح تونس في تحصين شبابها من “الاستقطاب الأسود”؟

لطالما عُرفت تونس بأنها منارة للاعتدال والانفتاح في المنطقة...

حرب المدن والاستنزاف.. ماذا يعني تقدم روسيا جنوب شرقي أوكرانيا؟

في تطور ميداني يحمل دلالات استراتيجية عميقة، أعلنت وزارة...

ليبيا ما بعد سيف الإسلام.. هل تندفع البلاد نحو جولة جديدة من الصراع الوجودي؟

استيقظ الشارع الليبي والمجتمع الدولي على أنباء صادمة هزت...

جوع ونزوح ودماء.. كيف أدّت سياسات البرهان إلى تعميق المأساة السودانية؟

يدخل السودان عامه الثالث من الصراع الدامي وسط حالة...

حرب المدن والاستنزاف.. ماذا يعني تقدم روسيا جنوب شرقي أوكرانيا؟

في تطور ميداني يحمل دلالات استراتيجية عميقة، أعلنت وزارة الدفاع الروسية رسميًا السيطرة على بلدة استراتيجية جديدة في المحور الجنوبي الشرقي لأوكرانيا، وهو ما يمثل حلقة جديدة في سلسلة “سقوط أحجار الدومينو” التي تسعى موسكو من خلالها إلى قضم المزيد من الأراضي وتثبيت واقع ميداني يصعب تجاوزه.

يأتي هذا التقدم في وقت حساس من عام 2026، حيث تتزايد الضغوط الدولية لتحويل الصراع من الميدان إلى طاولة المفاوضات، إلا أن موسكو تبدو مصممة على تعزيز أوراق قوتها قبل أي حديث عن تسوية سياسية.

الأهمية الجيوسياسية والعسكرية للبلدة الجديدة في حسابات الحرب

لا يُنظر إلى البلدة التي تمت السيطرة عليها مؤخراً كبقعة جغرافية معزولة، بل هي مركز ثقل لوجستي يربط بين خطوط الإمداد الحيوية للقوات الأوكرانية في الجنوب والشرق.

إن سقوط هذه النقطة يعني عمليًا حرمان القوات المدافعة من طرق إمداد رئيسية كانت تؤمن وصول الذخائر والتعزيزات البشرية إلى الجبهات الأمامية. من المنظور العسكري الروسي، تمثل هذه البلدة “بوابة عبور” نحو المدن الكبرى المتبقية تحت سيطرة كييف في منطقة دونيتسك، كما أنها تسمح للجيش الروسي بنصب منصات مدفعية وأنظمة صواريخ قصيرة المدى لاستهداف تجمعات القوات الأوكرانية في العمق.

هذا التقدم يعزز من قدرة موسكو على فرض طوق أمني حول المناطق التي ضمتها سابقاً، ويجعل من استعادتها من قبل القوات الأوكرانية مهمة شبه مستحيلة في ظل موازين القوى الراهنة وتراجع وتيرة الدعم العسكري الغربي النوعي.

تكتيك “القضم الممنهج”.. كيف غيرت روسيا استراتيجيتها الميدانية؟

لقد تخلت روسيا في عام 2026 عن طموحات الاختراق السريع والعميق التي ميزت بدايات الحرب، واستبدلتها باستراتيجية “القضم الممنهج” أو ما يعرف عسكريًا بـ”مفرمة اللحم”.

حيث تعتمد هذه الخطة على تركيز كثافة نارية هائلة على مساحة ضيقة، مما يجبر القوات الأوكرانية على الانسحاب لتجنب الحصار أو الإبادة الكاملة. إن سقوط البلدة الأخيرة هو نتاج مباشر لهذا التكتيك، حيث تم استهداف كافة التحصينات الخرسانية والخنادق الأوكرانية بوابل من القنابل الانزلاقية والمدفعية الثقيلة قبل تحرك المشاة.

هذا الأسلوب، وإن كان مكلفًا زمنيًا وبشريًا، إلا أنه أثبت فاعلية في خلخلة الدفاعات الأوكرانية التي تعاني من نقص حاد في القذائف المدفعية وأنظمة الدفاع الجوي القادرة على التصدي للطيران الروسي، مما يجعل كل بلدة تسقط بمثابة مسمار جديد في نعش آمال كييف في استعادة زمام المبادرة الميدانية.

معضلة كييف.. تآكل المخزون البشري وتراجع الدعم الخارجي

تجد القيادة الأوكرانية نفسها اليوم في موقف لا تحسد عليه؛ فمن جهة، يتطلب الدفاع عن كل شبر من الأرض تضحيات بشرية هائلة تستنزف ما تبقى من قوات النخبة، ومن جهة أخرى، يضغط الحلفاء الغربيون لتقنين استهلاك الذخائر بانتظار حزم دعم جديدة قد تتأخر نتيجة التجاذبات السياسية الداخلية في واشنطن وبروكسل.

إن سقوط البلدة الجنوبية الشرقية يعكس أزمة “الإجهاد القتالي” التي بدأت تظهر ملامحها على الجنود الأوكرانيين الذين يقاتلون في ظروف جوية وميدانية قاسية ضد عدو يمتلك تفوقًا عدديًا وناريًا ساحقًا وإن خسارة هذه المواقع تزيد من الضغوط الشعبية والسياسية على حكومة كييف، حيث يبدأ التساؤل حول جدوى الاستمرار في معارك دفاعية استنزافية دون وجود استراتيجية واضحة للهجوم المضاد أو لتأمين الحماية الجوية الكافية للمدن والبلدات المهددة بالزحف الروسي.

التداعيات على خارطة الصراع.. هل اقتربت ساعة الحسم في الدونباس؟

بسيطرة القوات الروسية على هذه النقطة، تصبح المدن الكبرى المتبقية في إقليم الدونباس تحت خطر التهديد المباشر وترى مصادر أن موسكو تسعى لإنهاء السيطرة على كامل حدود إقليمي دونيتسك ولوغانسك قبل نهاية النصف الأول من عام 2026، لتعلن بذلك تحقيق الأهداف الرئيسية لعمليتها العسكرية.

هذا السيناريو سيضع المجتمع الدولي أمام أمر واقع جديد، حيث ستتحول الجبهات إلى خطوط تماس دائمة تشبه “السيناريو الكوري”، مع بقاء مساحات واسعة من أوكرانيا تحت السيادة الروسية.

إن التقدم الحالي يمنح الكرملين القدرة على المناورة السياسية من موقع القوة، حيث يمكنه عرض وقف إطلاق النار مقابل الاعتراف بالمكاسب الميدانية، وهو ما ترفضه كييف جملة وتفصيلًا حتى الآن، معتبرة أن أي تنازل عن الأرض هو بمثابة استسلام طويل الأمد للعدوان.

الميدان يكتب الكلمة الأخيرة في شتاء 2026

إن سقوط حجر الدومينو الجديد في جنوب شرق أوكرانيا ليس نهاية الحرب، لكنه مؤشر قوي على اتجاه البوصلة الميدانية فبينما تحاول الدبلوماسية الدولية إيجاد ثغرة في جدار الصراع، يواصل الرصاص والقذائف كتابة واقع جديد على الأرض.

وتظل القدرة الأوكرانية على الصمود رهينة بتحول نوعي في المساعدات العسكرية وبناء خطوط دفاعية جديدة خلفية تمنع الانهيار الشامل، فيما تراهن روسيا على عامل الوقت وتفكك الإجماع الدولي لدعم كييف.

ومع اقتراب المعارك من مراكز حضرية كبرى، يبدو أن عام 2026 سيكون عام “الحسم الصعب” الذي سيحدد شكل أوروبا وأمنها لجيل كامل، وسط صراع إرادات لم يعد فيه مكان للحلول الوسطى على حساب السيادة أو الهيبة العسكرية.