ذات صلة

جمع

خلف الستار الحديدي.. كيف تُدار “حرب الظل” بين موسكو وكييف؟

بينما تنشغل عدسات الكاميرات برصد تحركات المدرعات في السهول...

طرابلس على طاولة قرطاج.. كيف تخطط تونس لجمع “رؤوس” السياسة الليبية؟

في وقت تمر فيه الأزمة الليبية بمرحلة من "الجمود...

ما وراء الرصاص.. كيف يدير “الإخوان” خيوط الأزمة السودانية من خلف الستار؟

برزت دراسات استراتيجية أمريكية حديثة لتعيد توجيه البوصلة نحو...

المعادلة المكسورة.. كيف بدأت بوصلة بيئة “حزب الله” تفقد اتجاه طهران؟

تشهد الساحة اللبنانية في مطلع عام 2026 تحولاً هو...

خلف الستار الحديدي.. كيف تُدار “حرب الظل” بين موسكو وكييف؟

بينما تنشغل عدسات الكاميرات برصد تحركات المدرعات في السهول الشرقية لأوروبا، ثمة حرب أخرى تدور رحاها بعيدًا عن صخب المدافع، وهي حرب “الظل” التي تجاوزت في خطورتها المواجهات التقليدية لتصبح هي المحرك الفعلي لمستقبل الصراع بين موسكو وكييف.

ففي مطلع عام 2026، لم يعد مفهوم الانتصار مرتبطًا بالسيطرة على بقعة جغرافية فحسب، بل بات يتحور حول القدرة على اختراق البنية التحتية الرقمية، وتفكيك شبكات النفوذ السياسي، وشن عمليات استخباراتية معقدة خلف خطوط العدو، مما يعيد إلى الأذهان حقبة الحرب الباردة ولكن بأدوات تكنولوجية فتاكة جعلت من “الستار الحديدي” الجديد ستارًا برمجيًا ومعلوماتيًا لا يقل قسوة عن سلفه التاريخي.

السيادة السيبرانية.. الجبهة التي لا تنام

تعتبر الحرب السيبرانية هي العمود الفقري لـ “حرب الظل” الجارية، حيث تحولت لوحات المفاتيح إلى أسلحة دمار شامل تستهدف شل حركة الدولة من الداخل دون إطلاق رصاصة واحدة.

في هذا السياق، شهد عام 2025 وما تبعه من بدايات 2026 تطورًا نوعيًا في الهجمات التي يشنها الطرفان؛ فبينما تعتمد موسكو على جيوش من الهكرز المرتبطين بجهاز الاستخبارات الخارجية “SVR” لضرب شبكات الطاقة والمؤسسات المصرفية الأوكرانية، طورت كييف بالتعاون مع حلفائها الغربيين “الجيش السيبراني الأوكراني” الذي نجح في اختراق قواعد بيانات حساسة داخل العمق الروسي.

هذه المعركة الرقمية تهدف إلى ضرب الروح المعنوية للشعوب من خلال تعطيل الخدمات الحيوية، وخلق حالة من الفوضى في إدارة الدولة، مما يجعل المواطن العادي جزءًا من ميدان المعركة دون أن يشعر، حيث تصبح بياناته وخدماته اليومية رهينة لنتائج هذا الصراع الصامت.

حرب الاستنزاف الاستخباراتي واغتيال النفوذ

بعيدًا عن الفضاء الرقمي، تنتقل “حرب الظل” إلى زوايا العواصم الأوروبية والعالمية عبر صراع الجواسيس والعملاء المزدوجين الذي وصل إلى ذروته في الأشهر الأخيرة.

وقالت مصادر: إنه لم تعد المهمة تقتصر على جمع المعلومات العسكرية، بل امتدت لتشمل “اغتيال النفوذ”، وهي عملية تهدف إلى تشويه سمعة القيادات السياسية وتفكيك التحالفات الدولية.

موسكو من جانبها، تسعى عبر شبكاتها القديمة والجديدة إلى التأثير في الانتخابات الغربية وإضعاف جبهة دعم أوكرانيا من خلال بث الأخبار الزائفة وتمويل حركات المعارضة المتطرفة، بينما ترد كييف بعمليات أمنية استباقية تستهدف كشف العملاء الروس داخل مفاصل الدولة الأوكرانية وفي قلب أوروبا.

وأكدت المصادر، أن هذه الحرب الاستخباراتية أدت إلى نشوء حالة من “البارانويا السياسية”، حيث بات كل تحرك دبلوماسي أو صفقة تجارية يخضع لتمحيص دقيق خوفًا من أن يكون جزءًا من عملية تضليل كبرى تهدف إلى ترجيح كفة طرف على آخر في صراع البقاء.

الاقتصاد كأداة للتركيع خلف خطوط المواجهة

لا تكتمل صورة “حرب الظل” دون النظر إلى الجبهة الاقتصادية، التي تحولت من مجرد عقوبات متبادلة إلى حرب استنزاف شاملة للموارد والقدرات.

إن “الستار الحديدي” الاقتصادي الذي فُرض على روسيا دفعها لابتكار طرق ملتوية للالتفاف على النظام المالي العالمي، مستخدمة شبكات معقدة من الشركات الوهمية والعملات الرقمية لتأمين تدفق السلع والأسلحة.

وفي المقابل، تسعى أوكرانيا لترسيخ مكانتها كمركز جديد للصناعات الدفاعية في أوروبا الشرقية، مستقطبة استثمارات ضخمة لبناء مصانع تحت الأرض بعيدة عن مدى الصواريخ الروسية.

هذه المعركة الاقتصادية تهدف في جوهرها إلى إثبات من يمتلك النفس الأطول؛ فبينما يراهن بوتين على “تعب” الغرب وتفكك وحدته الاقتصادية، يراهن زيلينسكي على الاندماج الكامل في الاقتصاد الأوروبي كدرع حماية طويل الأمد، مما يجعل من أرقام التضخم ومعدلات الإنتاج الصناعي مؤشرات نصر لا تقل أهمية عن أرقام الخسائر البشرية في الميدان.

مستقبل الصراع في ظل الستار الجديد

إن ما يحدث خلف الستار الحديدي اليوم بين موسكو وكييف هو إعادة تعريف شاملة لمفهوم الحرب في القرن الحادي والعشرين.

لم تعد الجيوش التقليدية هي الأداة الوحيدة لحسم النزاعات، بل أصبحت حرب الظل بأبعادها السيبرانية والاستخباراتية والاقتصادية والنفسية هي التي ترسم ملامح النظام الدولي الجديد.

واختتمت المصادر، أن نضج هذه الظروف يشير إلى أن العالم يتجه نحو حالة من “اللا سلم واللا حرب” الدائمة، حيث تظل المواجهة مستمرة في الغرف المظلمة وعلى شاشات الحاسوب، مما يعني أن استقرار أوروبا والعالم سيبقى رهينًا لنتائج هذه المعارك الصامتة التي تُدار بعيدًا عن أعين الرأي العام، ولكن آثارها تلامس حياة كل إنسان على وجه الأرض.