تدخل إيران واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، في ظل تصاعد احتجاجات ذات طابع اقتصادي واضح، تتزامن مع ضغوط خارجية متزايدة، خصوصًا من الولايات المتحدة وإسرائيل.
المشهد المركب لا يمكن قراءته بوصفه انفجارًا اجتماعيًا معزولًا، بل كحلقة في مسار طويل من التآكل الداخلي، تداخلت فيه الأزمات المعيشية مع الحسابات الإقليمية والدولية، ما أعاد إلى الأذهان مقارنات مع تجارب دولية شهدت مسارات مشابهة، من بينها فنزويلا.
احتجاجات بطابع مختلف
وما يميز التحركات الحالية هو اختلافها عن موجات سابقة شهدتها البلاد، فالتعاطي الأمني يبدو أقل اندفاعًا نحو المواجهة الشاملة، في ظل إدراك رسمي بأن طبيعة هذه الاحتجاجات لا تقوم على شعارات سياسية كبرى أو مطالب تغيير جذري للنظام، بل تنطلق من ضيق اقتصادي متراكم.
التمايز يعكس قراءة داخلية ترى أن الغضب الراهن نتاج ظروف معيشية خانقة أكثر من كونه مشروعًا سياسيًا متكاملًا.
غياب القيادة وتشتت الزخم
أحد أبرز ملامح المشهد يتمثل في غياب قيادة واضحة أو مرجعية سياسية قادرة على توحيد الشارع أو تقديم بديل منظم.
والاحتجاجات تبدو بلا رأس، وهو ما يحد من قدرتها على التحول إلى انتفاضة شاملة، كما أن هذا الغياب يضعف فرص استثمارها خارجيًا في مسار إسقاط النظام، ويجعلها أقرب إلى موجة ضغط داخلية تهدف إلى انتزاع تنازلات اقتصادية ومعيشية.
الاقتصاد بوصفه المحرك الأساسي
في قلب هذه التحركات يقف الاقتصاد الإيراني، المثقل بالتضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، الإحباط المتراكم لدى شرائح واسعة من المجتمع، بما في ذلك فئات طالما ارتبطت تاريخيًا بالاستقرار، كشف عن عمق الأزمة.
خروج الغضب من الأسواق التقليدية في طهران، ثم تمدده إلى الجامعات ومناطق أخرى، حمل دلالة على انتقال السخط من الهامش إلى قلب المجتمع الاقتصادي.
الأرقام وحدود الانتشار
رغم اتساع رقعة التحركات جغرافيًا، فإنها لا تزال محدودة من حيث الحجم مقارنة بعدد السكان واتساع البلاد، هذا الواقع يمنح السلطة هامشًا للمناورة، لكنه في الوقت نفسه لا يلغي خطورة الرسالة التي يبعث بها الشارع، خاصة مع تراجع قدرة الدولة على امتصاص الصدمات المعيشية المتتالية.
لا يمكن فصل المشهد الداخلي عن السياق الخارجي. التصريحات والضغوط الأميركية والإسرائيلية توفر للنظام ذريعة جاهزة لربط الاحتجاجات بأجندات خارجية، حتى وإن لم تكن هي المحرك الأساسي لها.
هذا التداخل يمنح السلطة أدوات لتشديد القبضة عند الحاجة، لكنه في المقابل يعقد المشهد أمام المحتجين، الذين يرفضون تحويل مطالبهم الاجتماعية إلى ورقة صراع دولي.
على الصعيد الدولي، يبرز تحوّل أوروبي لافت، مع تصاعد القلق من طريقة التعامل مع الاحتجاجات، هذا القلق يتجه نحو ربط الملف الحقوقي بملفات تفاوضية أخرى، وعلى رأسها الملف النووي، ومثل هذا الربط يضع طهران أمام ضغوط مزدوجة، اقتصادية وسياسية، في توقيت بالغ الحساسية.

