مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع في 2026، لم يعد السؤال الملح في أروقة صنع القرار العالمي هو متى تنتهي الحرب، بل كيف ستنتهي؟
وفي قلب هذا المشهد المعقد، يقف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمام أصعب اختبار سياسي في تاريخه الحديث، حيث تتأرجح خياراته بين الصمود العسكري وبين ضغوط غربية متزايدة للقبول بـ “سلام مر” ينهي النزيف.
زيلينسكي في مواجهة “رياح التغيير” الغربية
فمنذ مطلع عام 2025، ومع العودة القوية لدونالد ترامب إلى المشهد السياسي الأمريكي، بدأت نبرة الدعم الغربي لكييف تأخذ منحىً مختلفًا، حيث أنه لم تعد عبارات “دعم أوكرانيا مهما استغرق الأمر” هي السائدة، بل حلّت محلها نقاشات حول “الواقعية السياسية” و”خرائط الطريق للتسوية”.
ضغوط واشنطن والانتخابات الأوكرانية
وتشير التقارير الواردة من كييف وواشنطن في يناير 2026، أن زيلينسكي يواجه ضغطًا غير مسبوق لإجراء انتخابات رئاسية كانت قد تأجلت بسبب الأحكام العرفية.
فخطة الـ 90 يومًا، أعلن زيلينسكي فيها مؤخرًا استعداده لإجراء الانتخابات خلال شهرين أو ثلاثة إذا ضمن الغرب أمن العملية الانتخابية وتحاول موسكو العزف على وتر انتهاء الولاية الرسمية لزيلينسكي (التي انتهت تقنيًا في مايو 2024) لتقديمه كطرف “غير شرعي” في أي مفاوضات مستقبلية.
هل يرفع الغرب “الراية البيضاء”؟
فالحديث عن “الراية البيضاء” لا يعني بالضرورة الاستسلام العسكري الكامل، بل يشير إلى الإرهاق الاستراتيجي الذي أصاب العواصم الأوروبية.
وتجد دول الاتحاد الأوروبي نفسها في 2026 أمام معضلة اقتصادية؛ حيث بدأت أصوات الداخل تتعالى ضد استنزاف الميزانيات في حرب يراها البعض “لا نهائية”. العجز في إنتاج الذخيرة والتردد في إرسال أسلحة نوعية بعيدة المدى يعطي إشارة لبوتين بأن “النفس الطويل” الروسي قد يؤتي أكله.
وتداولت الدوائر الدبلوماسية ملامح مقترح سلام أمريكي يتكون من 20 بندًا، يركز على تجميد النزاع على الخطوط الحالية، هذا السيناريو يمثل كابوسًا لزيلينسكي، لأنه يعني خسارة إقليم الدونباس وشبه جزيرة القرم “على الأقل في المدى المنظور” وتأجيل انضمام أوكرانيا للناتو لعقود مقابل ضمانات أمنية “ورقية”.
طموحات بوتين.. هل حان وقت الحصاد؟
على الجانب الآخر، يبدو فلاديمير بوتين أكثر ثقة في بداية 2026، فالاقتصاد الروسي، رغم العقوبات، أثبت قدرة على التكيف عبر تحوله إلى “اقتصاد حرب” مدعوم بشراكات مع قوى شرقية.
العقدة والحل
وأكد زيلينسكي في تصريحاته الأخيرة، أن أوكرانيا لن توقع على أي اتفاق لا يتضمن ضمانات أمنية ملزمة تمتد لـ 15 عامًا على الأقل، هو يطالب بحماية تشبه “المادة الخامسة” في حلف الناتو، وهو ما يرفضه بوتين جملة وتفصيلاً، معتبرًا إياه تهديدًا وجوديًا لروسيا.
نهاية “البطل الأسطوري” وبداية “رجل الدولة”
وتحول زيلينسكي من ممثل كوميدي إلى بطل حرب عالمي، لكن عام 2026 يتطلب منه التحول إلى “مهندس سلام”، فالغرب لن يرفع الراية البيضاء علنًا، لكنه بدأ بالفعل في طي صفحة “النصر الكامل” والبحث عن “مخرج آمن” .
وأصبح مستقبل زيلينسكي الآن لم يعد بيد الميدان العسكري وحده، بل في مدى قدرته على إقناع شعبه بأن “السلام المنقوص” أفضل من “الفناء الكامل”، في ظل عالم بدأ يملّ من ضجيج المدافع في شرق أوروبا.

