كشفت خدمة تقصّي الحقائق في وكالة “رويترز”، أن الفيديو الذي روّجته حسابات مرتبطة بسلطات بورتسودان، وزعمت أنه يُظهر “مرتزقة كولومبيين يقاتلون بدعم من الإمارات”، لا يمت بصلة للسودان ولا للواقع الميداني.
كما أن التحقيق أثبت أن ما جرى تداوله لم يكن سوى مادة مضللة، تضاف إلى سلسلة من الادعاءات التي تعتمد على الإثارة أكثر من استنادها إلى حقائق موثوقة، لافتًا أن المقطع في حقيقته يوثق تدريبات عسكرية في إستونيا عام 2025 بمشاركة قوات أميركية وأوروبية، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول منهجية السلطات السودانية في تبني روايات غير دقيقة لتسويق اتهاماتها.
وأوضحت، أنه بدلاً من من تقديم أدلة ملموسة، جرى استدعاء مقطع مناورات عسكرية بعيدة آلاف الكيلومترات عن السودان ليستخدم كذخيرة سياسية وسط مزاعم واهية لا أساس لها من الصحة.
الفيديو المضلل.. من الفاشر إلى إستونيا
التحقق الذي أجرته “رويترز” كشف أن الفيديو المتداول يعود إلى تدريبات عسكرية حيّة شاركت فيها قوات أميركية وبريطانية وكندية وإستونية، جرت في يوليو 2025 قرب معسكر “تابا” في إستونيا.
يظهر في المقطع جنود يدخلون مركبة عسكرية ويطلقون قذائف هاون، فيما تسمع أوامر باللغة الإنجليزية، هذه المشاهد، التي اعتبرها ناشطون “دليلاً” على وجود مرتزقة كولومبيين في السودان، لم تكن سوى جزء من تدريبات لحلفاء غربيين على الجاهزية القتالية.
اتهامات متبادلة وتصعيد سياسي
تداول الفيديو جاء بعد إعلان سلطات بورتسودان، أوائل أغسطس، مقتل “مسلحين كولومبيين” في معارك بمدينة الفاشر التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
الاتهامات الرسمية طالت الإمارات بشكل مباشر، متهمة إياها بدعم المسلحين ونقلهم إلى ساحات القتال، غير أن أبوظبي نفت بشكل قاطع هذه المزاعم، معتبرة أنها جزء من “حملة ممنهجة للتهرب من المسؤولية”، ومؤكدة دعمها لمساعي الشعب السوداني نحو الاستقرار.
الإمارات تنفي وتتهم بـ”حملة تضليل”
وزارة الخارجية الإماراتية، في بيان رسمي لرويترز، رفضت الا منتهامات السودانية، مشيرة أن الادعاءات “باطلة ومتزايدة بشكل ممنهج”.
وأضاف البيان، أن الهدف من هذه المزاعم هو “إلقاء اللوم على الآخرين” بدلاً من معالجة أسباب الأزمة الداخلية.
موقف الإمارات جاء منسجمًا مع نهجها المعلن منذ بداية الصراع، إذ تؤكد أنها تدعم الجهود الدبلوماسية الرامية لإنهاء الحرب لا تأجيجها.
الموقف الكولومبي ورسالة التحذير
في موازاة ذلك، دخلت كولومبيا على خط السجال، بعدما ناشد رئيس الوزراء السوداني بوغوتا “وقف تجنيد المرتزقة” ووضع حد لانتشارهم في السودان.
الموقف قوبل برد من الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو الذي دعا مواطنيه عبر منصة “إكس” إلى عدم الانجرار إلى صراعات خارجية. ورغم ذلك، لم تُصدر الخارجية الكولومبية أو السودانية تعليقًا مباشرًا على نتائج التحقيق الصحفي.
التحقق الصحفي في مواجهة الحملات المضللة
تكذيب رويترز للفيديو المزعوم يسلّط الضوء مجددًا على أهمية الإعلام المهني في فضح الأخبار الكاذبة التي ترافق النزاعات.
فمع تصاعد الحرب في السودان، تحولت المنصات الرقمية إلى ساحات لتداول مقاطع مضللة، تُستخدم أحيانًا كأداة سياسية لتشويه صورة أطراف خارجية أو داخلية.
وفي هذا السياق، يبرز دور خدمات التحقق الدولية كعنصر توازن ضروري لكشف الحقائق أمام الرأي العام.
مشهد معقّد وأزمة مفتوحة
يبقى المشهد السوداني رهين تعقيدات عسكرية وسياسية وإعلامية، وبينما تتبادل الأطراف الاتهامات حول التدخلات الإقليمية، يظل المواطن السوداني الخاسر الأكبر من هذه الدوامة.
بينما على المستوى الدولي، فإن تقارير التحقق مثل الذي نشرته “رويترز” تذكّر بأن التضليل الإعلامي أصبح جزءًا من معارك القرن الحادي والعشرين، لا يقل خطورة عن القذائف التي تنفجر في الميدان.