ذات صلة

جمع

ضريبة الدم.. كيف حرمت الميليشيات الحوثية ملايين الأطفال من التعليم؟

تعد قضية حرمان ملايين الأطفال من التعليم في اليمن...

فك الارتباط الاستراتيجي.. كيف أصبحت السفارة الإيرانية في بيروت “عبئًا” على الدولة؟

دخلت الدولة اللبنانية مرحلة سياسية وتاريخية غير مسبوقة بصدور...

تطورات “حرب المدن”.. كيف صمدت الحصون الأوكرانية أمام القصف الروسي المكثف؟

دخلت الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع في 2026 محملة...

ضريبة الدم.. كيف حرمت الميليشيات الحوثية ملايين الأطفال من التعليم؟

تعد قضية حرمان ملايين الأطفال من التعليم في اليمن واحدة من أبشع “ضرائب الدم” التي فرضتها الميليشيات الحوثية منذ انقلابها على الشرعية، حيث انتهجت الميليشيا استراتيجية ممنهجة لتدمير البنية التحتية للتعليم وتحويل المدارس من محضن للعلم إلى ساحات للاستقطاب والتجنيد.

وتشير التقارير الدولية الصادرة عن “اليونيسف” ومنظمات حقوقية إلى أن أكثر من مليوني طفل يمني باتوا خارج النظام التعليمي، بينما يواجه ملايين آخرون خطر التسرب بسبب انهيار المنظومة وتوقف صرف رواتب المعلمين في مناطق سيطرة الميليشيا لسنوات طويلة.

هذا التجهيل المعتمد لا يهدف فقط إلى ضرب الحاضر، بل يسعى إلى تجفيف منابع الوعي لدى الأجيال القادمة، مما يجعل من السهل سوق هؤلاء الأطفال نحو جبهات القتال بعد عزلهم عن محيطهم المعرفي وحصر خياراتهم بين الجوع أو الالتحاق بالمليشيا، وهو ما يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان تستهدف هوية ومستقبل الإنسان اليمني.

تطييف المناهج.. سلاح الحوثي لتفخيخ عقول الناشئة

لم تكتفِ الميليشيات الحوثية بإغلاق المدارس أو تحويلها إلى ثكنات عسكرية ومخازن سلاح، بل ذهبت نحو جريمة أكثر عمقاً تتمثل في “تطييف المناهج الدراسية” وتحريف المحتوى التعليمي بما يخدم أيديولوجيتها الطائفية المستوردة.

فمنذ سيطرتها على وزارة التربية والتعليم في صنعاء، أجرت الميليشيا تعديلات واسعة على كتب التاريخ والتربية الإسلامية واللغة العربية، مستبدلةً القيم الوطنية والعروبية بمفاهيم تمجد “الولاية” وتحرض على العنف والكراهية وتمجيد القتل تحت مسميات “الجهاد” و”المسيرة القرآنية”.

هذا العبث بالمناهج يهدف إلى خلق جيل مدجن فكريًا، يدين بالولاء للمليشيا وليس للوطن، مما يحول المدارس إلى “مفارخ” لإنتاج المقاتلين بدلاً من تخريج الأطباء والمهندسين، وهي عملية غسيل أدمغة واسعة النطاق تستهدف الأطفال في سن مبكرة لضمان استمرارية المشروع الحوثي القائم على الصراع الدائم.

المراكز الصيفية.. بديل الحوثي عن التعليم النظامي

في ظل الانهيار المتواصل للتعليم النظامي، برزت “المراكز الصيفية” الحوثية كبديل خطير ووجه آخر لعملية اختطاف الطفولة، حيث يتم حشد مئات الآلاف من الأطفال سنويًا نحو هذه المراكز التي تفتقر لأي معايير تعليمية حقيقية.

وتعد هذه المراكز بمثابة “معسكرات تدريب” مغلفة بإطار تعليمي، حيث يتلقى فيها الصغار تدريبات عسكرية أولية بجانب دروس مكثفة في التعبئة العقائدية الطائفية.

إن حرمان الأطفال من التعليم الرسمي وتوجيههم نحو هذه المراكز يعد استغلالاً بشعًا لحالة الفقر والعوز التي تعيشها الأسر اليمنية، حيث يتم ابتزاز الآباء بالمواد الإغاثية أو الوعود بالوظائف مقابل إرسال أبنائهم لهذه المحارق، مما يفسر التزايد المرعب في أعداد القتلى من الأطفال في صفوف الحوثيين الذين يتم سحبهم مباشرة من هذه المراكز إلى جبهات الموت دون أي وازع إنساني أو أخلاقي.

استهداف المعلم.. تجويع “رسل العلم” لفرض التجهيل

لا يمكن قراءة قصة “ضريبة الدم” التعليمية دون التطرق للمأساة التي يعيشها المعلم اليمني في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث استخدمت الميليشيا سياسة التجويع المتعمد ضد الكادر التعليمي كوسيلة لتركيع القطاع التربوي بالكامل.

فبقطع الرواتب لسنوات ومنع المساعدات عن المعلمين، أُجبر آلاف المربين على ترك مهنتهم والبحث عن أعمال شاقة لإعالة أسرهم، بينما تم استبدال الكثير منهم بعناصر “حوثية” تفتقر للمؤهلات العلمية، لكنها تتقن فن التعبئة الطائفية هذا التهجير الممنهج للعقول والكفاءات التربوية أدى إلى إفراغ المدارس من جوهرها التعليمي، وحوّل من تبقى من الطلاب إلى فريسة سهلة للمؤثرات الفكرية المنحرفة، مما يجعل من إعادة بناء المنظومة التعليمية مستقبلاً مهمة شاقة تتطلب جهودًا دولية ووطنية جبارة لمحو آثار هذا الدمار الفكري والتربوي.

إنقاذ مستقبل اليمن يبدأ من المدرسة

إن ما تقوم به الميليشيات الحوثية بحق التعليم في اليمن ليس مجرد نتيجة ثانوية للحرب، بل هو فعل مقصود ومخطط له لهدم الدولة الوطنية من جذورها.

إن “ضريبة الدم” التي يدفعها أطفال اليمن اليوم من حرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية في المعرفة، ستكون تبعاتها كارثية على استقرار المنطقة بأسرها إذا لم يتم تدارك الوضع، وإن إنقاذ الطفولة اليمنية يبدأ من الضغط الدولي الحقيقي لوقف تطييف التعليم، وتأمين رواتب المعلمين، وإعادة المدارس إلى وظيفتها الأساسية كمنابر للعلم والتنوير.

وبدون ذلك، سيظل اليمن ينزف براءته في حروب عبثية، وسيظل ملايين الأطفال رهينة لمشاريع الموت التي تقتات على الجهل والفقر، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لحماية حق أطفال اليمن في “حياة كريمة” تبدأ بمقعد دراسي آمن ومنهاج وطني سليم.