ذات صلة

جمع

تحت مجهر النار.. كيف يتم استنزاف الحرس الثوري في معقل دارة بضربات نوعية؟

دخلت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع النظام الإيراني مرحلة حاسمة...

“الذهب الأسود” المفقود.. كيف يواجه العراق شبح الإفلاس في ظل تعثر مبيعات النفط؟

أثارت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، حالة...

شبح التوغل يتصاعد.. إسرائيل تلوّح بتكرار سيناريو غزة في لبنان

تتجه المواجهة بين إسرائيل وحزب الله نحو مرحلة أكثر...

حرب بلا نهاية واضحة.. أسابيع النار ترسم ملامح مواجهة مفتوحة

مع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثالث، تتجه الأنظار...

تحت مجهر النار.. كيف يتم استنزاف الحرس الثوري في معقل دارة بضربات نوعية؟

دخلت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع النظام الإيراني مرحلة حاسمة تتجاوز في أهدافها مجرد الرد على الهجمات المتبادلة أو الاشتباكات الحدودية مع الوكلاء، حيث تشير المعطيات الميدانية والسياسية في عام 2026 إلى تبني استراتيجية عسكرية هجومية تهدف إلى “استهداف رأس الأخطبوط” بشكل مباشر ومستمر.

إن الحملة الحالية لم تعد تكتفي بتقليم الأظافر في سوريا أو لبنان أو اليمن، بل انتقلت بوضوح إلى معقل الدار داخل إيران، مستهدفة المؤسسات القيادية والحيوية التابعة للحرس الثوري، ومراكز الأبحاث العسكرية، ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية والمسيّرات.

هذه الضربات النوعية لا تهدف فقط إلى إحداث دمار مادي لحظي، بل تسعى إلى خلق “ظروف استنزاف” طويلة الأمد تضعف قدرة النظام على اتخاذ القرار وتفكك حلقات الوصل بين القيادة العليا والقواعد الميدانية، مما يجعل المؤسسة العسكرية الإيرانية في حالة دفاع دائم وارتباك استراتيجي يمنعها من تطوير أي قدرات هجومية مستقبلية قد تهدد أمن المنطقة والملاحة الدولية.

تفكيك الهياكل القيادية وشلل مراكز القرار

تعتمد العمليات العسكرية النوعية التي تنفذها واشنطن وتل أبيب على جهد استخباراتي فائق الدقة، يضع “المؤسسات السيادية” للحرس الثوري تحت مجهر النار على مدار الساعة؛ مما أدى إلى تآكل الثقة الداخلية في المنظومة الأمنية الإيرانية.

إن استهداف القادة الميدانيين والمهندسين المسؤولين عن البرامج الصاروخية داخل إيران يمثل ضربة لـ “الدماغ” الذي يدير العمليات، وهو ما يتجاوز في تأثيره تدمير مخازن السلاح؛ ففقدان الخبرات البشرية والكوادر القيادية يصعب تعويضه في المدى القريب، ويخلق حالة من الفراغ الإداري والتنظيمي داخل أروقة الحرس الثوري.

هذا الشلل في مراكز القرار لا يضعف إيران عسكرياً فحسب، بل يرسل رسالة قوية للداخل الإيراني وللمجتمع الدولي مفادها أن “رأس الأخطبوط” بات مكشوفًا وهشًا أمام التكنولوجيا العسكرية الحديثة، وأن مظلة الردع التي حاولت طهران بناءها لعقود عبر وكلائها قد تم اختراقها وتفكيكها في عقر دارها.

تجفيف المنابع العسكرية ومنع التطوير المستقبلي

إن أحد الأهداف الجوهرية لهذه الحملة المستمرة هو ضمان عدم وصول النظام الإيراني إلى “نقطة اللاعودة” في تطوير قدراته العسكرية، سواء كانت نووية أو صاروخية أو متعلقة بالطيران المسير، وذلك عبر ضرب المختبرات ومنشآت التصنيع الدقيق بشكل جراحي ومتكرر.

هذه الاستراتيجية تضمن بقاء القدرات العسكرية الإيرانية في حالة تراجع تقني مستمر، حيث تضطر طهران لإنفاق مواردها المحدودة على محاولات الإصلاح والترميم بدلاً من الابتكار والتطوير، مما يوسع الفجوة التكنولوجية بينها وبين خصومها.

وبموازاة ذلك، تساهم الضربات في تدمير “اللوجستيات المعقدة” التي يعتمد عليها الحرس الثوري لنقل السلاح وتأمين الموارد، مما يحول المؤسسات العسكرية إلى عبء على اقتصاد الدولة المنهك أساساً، ويدفع النظام نحو الزاوية حيث يصبح خيار الاستمرار في سياسة التوسع الإقليمي مكلفًا جدًا ومهددًا لبقاء النظام نفسه في ظل الغليان الشعبي الداخلي.

خلق ظروف الانهيار الطويل وتقويض ركائز النظام

لا تنظر واشنطن وتل أبيب إلى هذه الحرب كجولة قتال محدودة تنتهي باتفاق تهدئة مؤقت، بل كحملة استراتيجية شاملة تهدف إلى إضعاف النظام الإيراني بنيويًا حتى الوصول إلى لحظة الانهيار أو التغيير الجذري في السلوك.

إن الضغط العسكري المكثف على مراكز القوة داخل إيران يتناغم مع الضغوط الاقتصادية والعزلة الدبلوماسية، ليخلق بيئة خانقة تجعل من “رأس الأخطبوط” الهدف الوحيد والمباشر، فمن دون قيادة قوية وموارد عسكرية متطورة، تفقد الأذرع الإقليمية مبرر وجودها وقدرتها على الصمود.

إن الحرب الحالية تهدف في جوهرها إلى إعادة تعريف موازين القوى في الشرق الأوسط عبر إزاحة “المصدر الرئيسي للتهديد” من المعادلة، وتحويل إيران من قوة إقليمية مهيمنة إلى دولة منشغلة بلملمة جراحها وتأمين بقائها الداخلي، وهو ما يعني أن رأس الأخطبوط قد اقترب بالفعل من السقوط تحت وطأة الضربات التي لا ترحم والارتباك الذي أصاب مفاصل القوة داخل طهران.

آفاق المواجهة وساعة الحسم الاستراتيجي

في نهاية المطاف، يبقى السؤال قائمًا حول مدى قدرة النظام الإيراني على تحمل هذا المستوى العالي من الاستنزاف النوعي، خاصة وأن الإجراءات الأمنية والعسكرية الأمريكية الإسرائيلية أصبحت تتسم بالاستباقية والجرأة غير المسبوقة.

إن النجاح في استهداف معقل الدار الإيرانية يفتح الباب أمام سيناريوهات حاسمة قد تشهد تحولاً في شكل الدولة الإيرانية أو طبيعة نفوذ الحرس الثوري في الداخل، مع تزايد احتمالات حدوث تصدعات في جدار القيادة نتيجة الفشل في حماية الرموز والمؤسسات الكبرى، وإن العالم يراقب اليوم كيف تتحول إيران من “مصدر للرعب” إلى “مستهدف بالاستنزاف”، وكيف تتهاوى أسطورة القوة التي بناها الحرس الثوري وسط دخان الانفجارات التي تهز معاقله الرئيسية، مما يؤكد أن الاستراتيجية الدولية الجديدة قد انتقلت من الاحتواء إلى الاجتثاث، وأن المرحلة القادمة ستكون حاسمة في رسم ملامح الشرق الأوسط بلا “أخطبوط” يهدد أمنه واستقراره.