ذات صلة

جمع

حصاد الدم في السودان.. البرهان يغلق باب الهدنة في وجه الضغوط الدولية

دخلت الحرب السودانية في عام 2025 منعطفًا هو الأكثر...

غليان في الشارع الليبي.. تراجع الدينار والضرائب الجديدة يشعلان فتيل الاحتجاجات

يعيش الشارع الليبي حالة من الاحتقان الشديد والترقب المشوب...

من قصر باردو إلى سجن المرناقية.. كيف انتهى المستقبل السياسي لحزب النهضة بتونس خلف القضبان؟

تعيش الساحة السياسية التونسية منذ الخامس والعشرين من يوليو 2021 زلزالاً مستمرًا لم تتوقف ارتداداته عند تجميد البرلمان وحله، بل امتدت لتطال العمود الفقري للمنظومة التي حكمت تونس طوال “العشرية السوداء” كما يسميها خصومها.

لم يكن مشهد القبض على راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، مجرد إجراء قانوني عابر، بل كان إعلانًا رمزيًا عن نهاية مرحلة سياسية كاملة بدأت بسقوط نظام بن علي في 2011 وانتهت فعليًا مع إغلاق مقرات الحزب ومنع أنشطته في مختلف محافظات الجمهورية.

سقوط القلاع

لم تكن النهضة تتوقع أن تنتهي سطوتها بهذه السرعة الدراماتيكية، فالحزب الذي كان يسيطر على مفاصل التشريع والتحالفات الحكومية وجد نفسه فجأة خارج اللعبة السياسية تماماً.

بدأت ملامح النهاية مع تصاعد الرفض الشعبي نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية، حيث حمّل الشارع التونسي الحركة مسؤولية الفشل التنموي.

هذا الغضب استثمره الرئيس قيس سعيّد في تدابيره الاستثنائية التي حظيت بتأييد واسع في البداية، مما جرد النهضة من سلاحها الأقوى وهو “التعبئة الجماهيرية”.

ومع مرور الوقت، انتقلت المواجهة من المنابر السياسية إلى ردهات المحاكم، حيث وُجهت لقيادات الصف الأول تهم ثقيلة تتعلق بالتآمر على أمن الدولة وغسل الأموال وتمويلات أجنبية مشبوهة؛ مما أدى إلى شل حركة الحزب تنظيميًا وإعلاميًا.

قيادات خلف الزنازين

تعتبر حملة الاعتقالات التي شملت رئيس الحركة راشد الغنوشي، ونائبه علي العريض، والقيادي البارز نور الدين البحيري، وغيرهم من الأسماء الوازنة، بمثابة “قطع رأس” للتنظيم الذي كان يفاخر بصلابة هيكله الداخلي.

الأحكام القضائية التي صدرت مؤخرًا، والتي وصلت في مجموعها لعدة عقود بحق الغنوشي في قضايا مختلفة مثل “التآمر 2” و”تمويل الحزب”، أوجدت فراغًا قياديًا لم تستطع الكوادر الشابة ملأه، خاصة مع فرض طوق أمني حول مقرات الحركة المركزية والجهوية.

هذا الفراغ لم يكن تنظيميًا فحسب، بل كان رمزيًا أيضًا؛ فقد سقطت “هيبة الحزب” الذي كان يرى نفسه عصيًا على الانكسار، وتحول من لاعب أساسي يشكل الحكومات إلى “متهم” يحاول إثبات براءته أمام قضاء غيّر الرئيس سعيّد تركيبته بشكل جذري.

انشقاقات الداخل

لم يكن القضاء والأمن وحدهما من أنهيا مستقبل النهضة، بل لعبت التصدعات الداخلية دوراً محورياً في هذا الانهيار المتسارع.

فقد شهدت الحركة قبل وبعد أحداث يوليو 2021 موجة استقالات جماعية غير مسبوقة، ضمت أسماء تاريخية وقيادات شبابية اتهمت الغنوشي بالانفراد بالرأي والفشل في قراءة الواقع السياسي.

هذه الانشقاقات أضعفت موقف الحركة في مواجهة “مسار 25 يوليو”، حيث ظهرت النهضة ككيان مهترئ يبحث عن البقاء لا عن الإصلاح.

ومع سجن القيادات، انقطعت خيوط التواصل بين القواعد المشتتة والقيادة المعزولة، مما دفع بالكثير من المنتسبين إلى الانسحاب الصمتي من العمل السياسي أو محاولة الاندماج في مبادرات معارضة أخرى فقدت هي الأخرى بريقها وقدرتها على التأثير في الشارع.

هل هناك فرصة للعودة من وراء القضبان؟

يرى مراقبون أن مستقبل النهضة السياسي لم يعد رهينًا بقرار قانوني فحسب، بل أصبح مرتبطًا بمدى قدرة الدولة على تثبيت دعائم النظام الجديد الذي أرساه قيس سعيّد.

مع غياب المقرات، وتجميد الأموال، وسجن الرؤوس المدبرة، وتآكل الحاضنة الشعبية، تبدو فرص “العودة” شبه مستحيلة في المدى القريب.

الحركة الآن تعيش حالة من “الموت السريري” سياسيًا، حيث تكتفي بإصدار بيانات من الخارج أو عبر هيئات الدفاع، وهي أدوات لا تصنع تغييرًا على أرض الواقع.

إن الانتهاء خلف القضبان هو في الحقيقة تتويج لمسار من الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت فيها النهضة، حيث لم تدرك أن الزمن السياسي في تونس قد تجاوز صيغة “التوافقات الهشة” وانتقل إلى مرحلة “تطهير المنظومة” التي لم تترك لها مكانًا في المشهد الجديد.