لطالما عُرفت تونس بأنها منارة للاعتدال والانفتاح في المنطقة العربية، إلا أن العقد الماضي وضع هذا النموذج أمام اختبارات عسيرة بعد أن واجهت البلاد موجات عنيفة من التطرف طالت قلب مؤسساتها السياحية والأمنية.
واليوم، في عام 2026، وعلى الرغم من النجاحات الأمنية الباهرة التي حققتها الأجهزة التونسية في تفكيك الخلايا الإرهابية وتأمين الحدود، لا يزال “شبح الإرهاب” يطل برأسه عبر آليات استقطاب جديدة وأكثر دهاءً.
إن السؤال الجوهري الذي يطرحه المحللون والشارع التونسي على حد سواء، هل نجحت الدولة في بناء “حائط صد” فكري يحمي شبابها من الانزلاق وراء شعارات “الرايات السوداء”؟ أم أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية لا تزال تشكل ثغرات ينفذ منها دعاة التشدد لإعادة تدوير أيديولوجياتهم المدمرة في أوساط الفئات الأكثر هشاشة؟
سيكولوجيا الاستقطاب.. لماذا يقع الشباب في الفخ؟
لا يمكن فهم معضلة الاستقطاب في تونس دون الغوص في الدوافع العميقة التي تجعل شابًا في مقتبل العمر يترك حياته ليرتمي في أحضان تنظيمات تتبنى الموت كمنهج. يرى خبراء الاجتماع أن الاستقطاب ليس مجرد عملية “غسل دماغ” دينية، بل هو استغلال ذكي لحالة “الاغتراب الاجتماعي” التي يعيشها جزء من الشباب التونسي.
ففي ظل انسداد الآفاق السياسية أحيانًا، وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية، تقدم التنظيمات المتطرفة لضحاياها شعورًا زائفًا بـ”الانتماء” و”البطولة” و”الخلاص”.
إن “الاستقطاب الأسود” يعتمد اليوم على خطاب عاطفي يدغدغ مشاعر المظلومية، ويستغل الفجوة بين طموحات الشباب والواقع الاقتصادي الصعب، مما يجعل من الفرد “مشروعًا انتحاريًا” قبل أن يحمل السلاح فعليًا، وهو ما يستدعي معالجة نفسية واجتماعية تتوازى مع الضربات الأمنية.
المقاربة الأمنية مقابل المقاربة الفكرية.. ميزان القوة
حققت تونس قفزات نوعية في تطوير استراتيجياتها القتالية ضد الجماعات الإرهابية، خاصة في الجبال والمناطق الحدودية، لكن المقاربة الأمنية الصرفة، رغم ضرورتها القصوى، تظل قاصرة عن اجتثاث الإرهاب من جذوره إذا لم تدعمها مقاربة فكرية شاملة.
إن الدولة التونسية تدرك الآن أن “تفكيك الخلية” أسهل بكثير من “تفكيك الفكرة”، لذا بدأت جهود مشتركة تشمل وزارات الشؤون الدينية، والتربية، والثقافة، لترسيخ قيم المواطنة والاعتدال.
ومع ذلك، ترى مصادر أن هناك بطئًا في تحديث الخطاب الديني الرسمي ليواكب لغة الشباب المعاصر، مما يترك الساحة الرقمية متاحة أمام المنصات المتطرفة التي تتقن استخدام التكنولوجيا واللغات الأجنبية لجذب المراهقين والطلبة المتفوقين، وليس فقط المهمشين، وهو تحول خطير في ديموغرافيا الاستقطاب.
البيئة الرقمية.. الميدان الجديد للمواجهة مع “الذئاب المنفردة”
في عام 2026، لم تعد المقاهي أو المساجد هي الأماكن الرئيسية للاستقطاب كما كان الحال سابقًا؛ لقد انتقلت المعركة بالكامل إلى الفضاء السيبراني. تستخدم التنظيمات الإرهابية تطبيقات مشفرة ومنصات ألعاب إلكترونية للوصول إلى غرف نوم الشباب، حيث يتم بث سمومها بعيدًا عن أعين الرقابة العائلية أو الأمنية.
إن تونس تواجه اليوم تحدي “الذئاب المنفردة” التي تتشبع بالفكر المتطرف عبر الإنترنت وتنفذ عملياتها بشكل منعزل، مما يصعب عملية الرصد والوقاية.
هذا الواقع يفرض على السلطات التونسية تعزيز قدراتها في الأمن السيبراني ليس فقط للملاحقة، بل لخلق “محتوى بديل” جذاب وقوي يقدم رؤية عصرية للإسلام تتصالح مع قيم الدولة المدنية والحرية، وتكشف زيف الادعاءات التي تروج لها ماكينات الإعلام المتطرف.
الثغرة الاقتصادية.. هل الفقر هو المحرك الوحيد للتطرف؟
رغم أن بعض المُنخرطين في التنظيمات المتطرفة ينتمون لطبقات متوسطة أو غنية، إلا أن الإحصاءات لا تزال تشير إلى وجود ارتباط وثيق بين المناطق المهمشة ومعدلات الاستقطاب.
إن ولايات الداخل التونسي والأحياء الشعبية المحيطة بالعاصمة تعاني من معدلات بطالة مرتفعة وشعور بالحرمان من ثمار التنمية، وهي ثغرة يستغلها “تجار الدم” لتقديم إغراءات مالية أو وعود بحياة أفضل و إن تحصين الشباب التونسي يتطلب بالضرورة مشروعًا وطنيًا للتنمية العادلة، يشعر فيه الشاب أن كرامته محفوظة داخل وطنه وأن مستقبله يبدأ من الانخراط في العمل والبناء لا في التخريب، و إن الأمن القومي التونسي مرتبط ارتباطًا عضويًا بالأمن الغذائي والاقتصادي، وبدون حلول حقيقية للأزمة المالية، ستظل جهود التحصين الفكري تصطدم بواقع معيشي مرير قد يسهل مهمة المتربصين بالبلاد.
تونس في مفترق طرق بين الانفتاح والتهديد
إن رحلة تونس في مواجهة “الاستقطاب الأسود” هي معركة نفس طويل، تتطلب نفسًا هادئًا وتعاونًا وثيقًا بين القوى الوطنية كافة، وبرغم أن شبح الإرهاب لا يزال يحاول العودة، إلا أن الوعي المجتمعي التونسي أثبت في محطات كثيرة أنه عصي على الانكسار و إن النجاح في تحصين الشباب لا يعتمد فقط على قوة السلاح، بل على قوة الحجة، وعدالة القانون، وبريق الأمل في المستقبل. ستبقى تونس “الخضراء” بجمهوريتها ومدنيتها في مواجهة دائمة مع قوى الظلام، وهي مواجهة لن تنتهي إلا بانتصار قيم الحياة والحرية على أوهام الدمار، مما يضمن للأجيال القادمة وطنًا آمنًا ومستقرًا بعيدًا عن ضجيج الانفجارات وظلام الأيديولوجيات المتطرفة.

