برزت دراسات استراتيجية أمريكية حديثة لتعيد توجيه البوصلة نحو “المحرك الخفي” للصراع في السودان، حيث أنه لم تعد الأزمة السودانية مجرد صدام عسكري على السلطة، بل تحولت وفقًا لمراقبين دوليين إلى معركة حياة أو موت لتيار “الإخوان المسلمين” “الحركة الإسلامية” الذي يرى في استمرار الفوضى سبيلاً وحيدًا للعودة إلى المشهد.
الأزمة السودانية.. صراع أسلحة أم صراع بقاء؟
فمنذ اندلاع شرارة الحرب في منتصف أبريل 2023، ظل التساؤل القائم، من المستفيد من إطالة أمد الحرب؟ حيث تشير التقارير الاستخباراتية والدراسات الصادرة عن معاهد أبحاث في واشنطن إلى أن “دولة الإخوان العميقة” التي تشكلت على مدار ثلاثين عامًا من حكم عمر البشير، لم تتفكك فعليًا بسقوط رأس النظام في 2019.
كتائب الظل.. الذراع العسكري للإخوان في الميدان
ويمكن فهم خيوط الأزمة دون النظر إلى “كتائب الظل” و”البنيان المرصوص”، هذه المجموعات المسلحة، الموالية أيديولوجيًا للحركة الإسلامية، تقاتل اليوم جنبًا إلى جنب مع بعض وحدات الجيش.
حيث ترى مصادر أن انخراط هذه الكتائب في القتال ليس مجرد “واجب وطني”، بل هو تكتيك لفرض واقع سياسي جديد يجعل من المستحيل تجاوزهم في أي تسوية مستقبلية.
السيطرة على مفاصل القرار “خلف الستار”
وتؤكد الدراسات الأمريكية، أن كسر قبضة الإخوان هو المفتاح لحل الأزمة لأن التنظيم يمتلك شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والمسؤولين داخل مؤسسات الدولة الحيوية.
هذه “الشبكة العنكبوتية” تعمل على أنه كلمان اقتربت الأطراف من اتفاق مثل مفاوضات جدة أو المنامة، تشتعل الجبهات فجأة، وهو ما يفسره البعض بضغط “الراديكاليين” داخل النظام القديم وعرقلة التحول المدني و الهدف الاستراتيجي هو إثبات أن “الحكم العسكري المدعوم إسلاميًا” هو الوحيد القادر على ضبط الأمن.
تفكيك “شيفرة” الدراسة الأمريكية.. لماذا الآن؟
تشير الدراسة إلى أن الحركة الإسلامية السودانية استغلت حالة الاستقطاب الحاد لتقديم نفسها كـ “حامي لحمى الدولة والسيادة”، هذا الخطاب القومي يغطي في حقيقته على رغبة في العودة إلى السلطة عبر “شرعية البندقية” بعد أن لفظهم الشارع في ثورة ديسمبر.
كيف يمكن كسر “قبضة الإخوان” في السودان؟
تطرح الورقة الأمريكية عدة سيناريوهات لإنهاء الأزمة، تبدأ جميعها بضرورة “العزل السياسي” الفعال لعناصر النظام السابق منها تجفيف المنابع المالية وتتبع الشركات والواجهات التجارية التي تمول العمليات العسكرية لكتائب الإسلامويين ودعم الخطوط المعتدلة و تقوية التيارات داخل المؤسسة العسكرية التي تؤمن بالحل السياسي وترفض التبعية للأجندات الحزبية الضيقة والضغط الدولي الموحد وفرض عقوبات ذكية تستهدف رؤوس التنظيم الذين يديرون العمليات من الخارج والداخل.
رغم وضوح الرؤية الأمريكية، إلا أن الواقع على الأرض معقد فقد تغلغل الإخوان في النسيج الاجتماعي لبعض المناطق تحت غطاء العمل الخيري والدعوي، مما يجعل من فكرة “الاستئصال” عملية جراحية معقدة قد تؤدي إلى مزيد من النزيف.
السودان بين فكي كماشة
إن الأزمة السودانية، اليوم، ليست مجرد نزاع حدودي أو خلاف على دستور، بل هي صراع بين رؤيتين، رؤية تسعى لدولة مدنية ديمقراطية، ورؤية تسعى لاستعادة “خلافة حزبية” سقطت شعبيًا وتحاول العودة عسكريًا.

