عندما تتجاوز درجات الحرارة حاجز 45 درجة مئوية في أغلب المدن التونسية، لا يعود الحديث عن انقطاع التيار الكهربائي مجرد اضطراب عابر في خدمة عمومية، بل يتحول إلى شلل تام يهدد مستشفيات البلاد ومصانعها وقوت مواطنيها الذين وجدوا أنفسهم خلال صيف هذا العام تحت وطأة ظلام دامس وخسائر اقتصادية مباشرة قاسية.
إن المشهد المخيف الذي عاشته تونس خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين كشف عن عورة الهشاشة الهيكلية التي تعاني منها المنظومة الكهربائية الوطنية، ووضع السلطات أمام حقيقة لا مفر منها المنظومة الحالية القائمة على الحلول المترددة لم تعد قادرة على صمود أمام التغيرات المناخية الجسيمة والارتفاع التراكمي في معدلات الاستهلاك.
ومن هذا المنطلق، لم يعد الانتقال الطاقي خيارًا بيئيًا رفيعًا أو ترفًا استراتيجيًا يُناقش في المكاتب المغلقة، بل أصبح مسألة سيادة وطنية وأمن اقتصادي عاجل يتوقف عليه مستقبل الاستقرار التنموي والتنافسية للبلاد بأكملها في مواجهة تقلبات أسواق الطاقة الدولية.
حقيقة العجز الكهربائي: الارتهان للغاز والاستيراد الخارجي
وتفسر الأرقام الرسمية بوضوح سر الانهيار الذي شهدته الشبكة التونسية خلال الصيف المنتهي؛ حيث تعتمد البلاد بنسبة تتجاوز 97% في إنتاج كهربائها على الغاز الطبيعي، وهو ارتهان خطير يتضاعف حجمه بالنظر إلى أن تونس تستورد قرابة 70% من إجمالي احتياجاتها من هذا المورد الغازي من الخارج.
هذا الوضع وضع الموازنة العامة والدولة تحت ضغط مالية عمومية خانق، خصوصًا في ظل التعثر المسجل في إنجاز المحطات التقليدية التي تعتمد على الغاز والتكاليف الباهظة للإنشاء والاستيراد.
وفي كلمة افتتاحية حاسمة خلال الصالون الدولي للانتقال الطاقي بالعاصمة، صرح كاتب الدولة المك المكلف بالانتقال الطاقي بوزارة الصناعة، وائل شوشان، بأن صيف هذا العام أظهر بوضوح حجم التحديات والضغوط غير المسبوقة التي تواجه المنظومة، موضحًا أن التطورات الجيوسياسية والاضطرابات التي تضرب سلاسل الإمداد فرضت إعادة ملف الطاقة إلى صدارة الأولويات السيادية، مؤكدًا أن التحدي الفعلي اليوم لم يعد مكتملاً في مرحلة التخطيط والدراسات بل انتقل حكمًا إلى السرعة القصوى في الميدان لتنفيذ المشاريع المعلنة قبل فوات الأوان.

خريطة الطاقات المتجددة: من النسبة المتواضعة إلى الطموح الكبير
على الرغم من قسوة الأزمة الراهنة، فإن تونس لم تبدأ من نقطة الصفر في معركتها النظيفة، حيث شهدت حصة الطاقات المتجددة في مزيج إنتاج الكهرباء نموًا ملموسًا بارتفاعها من 4% فقط قبل عامين إلى نحو 9% في الوقت الحالي، وهي قفزة تؤكد أن المسار الاستراتيجي قد بدأ بالفعل في تحقيق نتائج ملموسة، ولكنه يبرز في الوقت نفسه حجم العمل الشاق والمتبقي للوصول إلى الأهداف الكبرى.
وتستهدف الخطط الحكومية رفع هذه الحصة إلى 35% بحلول عام 2030، ثم التوسع للوصول إلى 50% بحلول عام 2035، وصولاً إلى طموح أبعد يستهدف جعل إنتاج الكهرباء التونسي قائمًا بالكامل على الطاقات المتجددة المستدامة.
وتشمل الحزمة المطروحة حاليًا مشاريع الطاقات المتجددة الكبرى، وتحديث نظم التراخيص والإنتاج الذاتي للمؤسسات والأفراد، وتطوير البنية التحتية للشبكة الوطنية لتستوعب التدفقات الجديدة، إلى جانب تدشين مشاريع التخزين والنجاعة الطاقية وتدعيم خطوط الربط الكهربائي الإقليمي لبناء منظومة مرنة وقادرة على مجابهة أزمات الذروة.
الإمكانات الهائلة والتخزين الذكي: حلول عاجلة لأزمة القطع المتكرر
وتمتلك تونس مقومات جغرافية وطبيعية مجردة تجعلها واحدة من أكثر دول المنطقة مؤهلة للقيادة في مجال الطاقة الشمسية؛ حيث يتراوح الإشعاع الشمسي على أراضيها بين 1800 كيلوواط ساعة/متر مربع/سنة في مناطق الشمال ويرتفع ليبلغ 2600 كيلوواط ساعة/متر مربع/سنة في أقصى الجنوب، بمتوسط سطوع شمس هائل يصل إلى 3000 ساعة سنويًا.
وفي هذا الصدد، أشار علي الكنزاري، رئيس الغرفة الوطنية للطاقة الفولطوضوئية، إلى أن الطاقات المتجددة وبخاصة الطاقة الشمسية الفولطوضوئية تمثل البديل الأسرع والأقل تكلفة والأكثر ملاءمة لتفادي سيناريوهات الإظلام المطبقة مجددًا، مشددًا على ضرورة ربط المحطات الكبرى ببطاريات تخزين حديثة تسمح باحتجاز الطاقة المنتجة أثناء النهار لاستغلالها بفاعلية خلال ساعات الذروة الليلية.
وتتجاوز الإمكانات التونسية سد العجز المحلي لتفتح آفاقًا واعدة لتصدير الطاقة النظيفة نحو الأسواق الأوروبية الظاشئة، لا سيما عبر التفكير الإستراتيجي والربط المباشر.
«المواطنة الطاقية» والشركات الناشئة: استنفار استثماري ورؤية مستقبلية
وضمن الحلول المبتكرة الموجهة للشارع التونسي لمواجهة غلاء الفواتير وضعف الشبكة، جرى طرح مقترح لإطلاق برنامج شعبي واسع تحت اسم “المواطنة الطاقية”، يهدف في خطوطه العريضة إلى تمكين حوالي مليون عائلة تونسية من الحصول على منظومات شمسية مجانية فوق أسطح منازلها، مما يسهم بشكل مباشر في تخفيف الأحمال الذكية على الشبكة وتخفيض الضغط العام في أوقات الحر الشديد.
وتتجسد هذه التحركات العملية من خلال الدورة الرابعة للصالون الدولي للانتقال الطاقي المقامة بمقر الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية تحت شعار “الاستثمار والابتكار من أجل تسريع الانتقال الطاقي”، بمشاركة أكثر من 60 شركة تونسية وأجنبية بجانب 10 شركات ناشئة ومبتكرة، ووفود رفيعة المستوى من إيطاليا وألمانيا وليبيا، وإن هذا الزخم الدولي يعكس اقتناعًا جماعيًا بأن إنقاذ قطاع الكهرباء في تونس يتطلب شراكات استثمارية جريئة وتدفقات مالية وتقنية سريعة، تجعل من الشمس والريح صمام أمان حقيقي لاقتصاد البلاد واستقرار مجتمعها.

