في قلب الأسواق الشعبية المكتظة بمدينة غزة، حيث تصم الآذان أصوات الباعة وضجيج المارة الباحثين عن بصيص حياة وسط الركام، يبرز مشهد يختزل المأساة الفلسطينية في أعمق صورها الإنسانية، هناك على زوايا الأرصفة، يقف رجال بملامح وقورة ونظرات تحمل إرثًا من العلم والبحث، يرصون حبات الخضروات أو المعلبات البسيطة على بسطات خشبية بدقة هندسية لافتة للنظر، للوهلة الأولى قد يظنهم الرائي تجارًا اعتادوا شقاء الأسواق، لكن الصدمة تقع حين يمر أحد الطلبة ليحيي بائعه بلقب “دكتور” أو “أستاذي”.
هنا يتكشف الستار عن واحدة من أقسى تداعيات حرب الإبادة في قطاع غزة، حيث اضطر مئات الأكاديميين والباحثين من حملة الشهادات العليا لاستبدال قاعات المحاضرات ومنصات العلم برصيف الشارع، ليعكس هذا الواقع المرير كيف استهدفت الحرب ليس فقط الحجر والبشر، بل العقل الفلسطيني ومنظومته المعرفية في عملية ممنهجة لإفراغ المجتمع من نخبته الفكرية وقياداته العلمية.
اغتيال المنابر العلمية: سياسة الأرض المحروقة ضد الجامعات
لم تكن الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى حملة تدمير شاملة طالت البنية التحتية للعلم والمعرفة بشكل مباشر ومتعمد، وتشير التقارير الحقوقية والدولية الموثقة إلى أن الاحتلال دمر كافة الجامعات العاملة في القطاع، والبالغ عددها 12 جامعة، سواء بشكل كلي سوي بالأرض أو جزئي جعلها غير صالحة للاستخدام، بالإضافة إلى تحويل أكثر من 57 مبنى جامعيًا يشمل مختبرات تخصصية ومكتبات مركزية ومتاحف علمية إلى أكوام من الرماد والركام.
وقالت مصادر: إن هذا التدمير لم يكن عبثيًا أو نتاج أخطاء عسكرية، بل جاء كإستراتيجية واضحة لقطع الطريق أمام أي فرصة لاستئناف العملية التعليمية في المستقبل القريب، مما أدى لحرمان نحو 87 ألف طالب وطالبة من حقهم الأصيل في التعليم، وتحويل آلاف الأساتذة والباحثين إلى جيش من العاطلين عن العمل قسريًا، ليجد هؤلاء العلماء أنفسهم أمام واقع وجودي مرعب يضعهم بين فكي الجوع والنزوح أو القبول بمهن هامشية لا تليق بمكانتهم العلمية.
من القاعات إلى الأرصفة: رحلة الانكسار النفسي والمهني
إن التحول من مناقشة النظريات المعقدة والأبحاث العلمية الرصينة إلى الوقوف خلف بسطة لبيع السلع الأساسية لم يكن خيارًا شخصيًا، بل كان ضرورة قهرية فرضتها ظروف البقاء، فالحرب التي سحقت المؤسسات التعليمية أدت إلى توقف كامل للرواتب وانقطاع سبل العيش الكريم؛ مما دفع النخبة العلمية للنزول إلى الشارع وممارسة مهن بسيطة لتوفير الحد الأدنى من القوت اليومي لعائلاتهم.
وتعد هذه اللحظات هي الأكثر إيلامًا في حياة الأكاديمي، حين يجد نفسه مضطرًا لمناقشة أسعار السلع بدلاً من مناقشة أطروحات الدكتوراه.
هذا الشرخ النفسي لا ينبع من ازدراء العمل اليدوي، فالعمل شرف في كل أحواله، بل ينبع من الشعور العميق بالظلم وتهميش سنوات الطفولة والشباب التي ضاعت في التحصيل العلمي والبحث، وتحت وطأة الحصار والعدوان، تحولت الشهادات العليا التي كانت يومًا رمزًا للفخر والترقي الاجتماعي إلى “عبء معنوي” يذكر صاحبه كل يوم بفشل الواقع الدولي في حماية العقول والكرامة الإنسانية.
استهداف الكوادر البشرية: إحصائيات الموت والتهجير المتعمد
رغم أن خسارة المباني والمنشآت فادحة، إلا أن الخسارة الحقيقية التي لا يمكن تعويضها تكمن في تصفية الكوادر البشرية والعقول المبدعة، فقد وثقت الإحصائيات الميدانية استشهاد المئات من أعضاء الهيئات الأكاديمية والباحثين المتميزين في جامعات غزة.
حيث ارتقى الكثير منهم في غارات جوية مباشرة استهدفت منازلهم وتجمعاتهم، مما يعزز فرضية الاستهداف المتعمد للكفاءات، إن فقدان عالم في الرياضيات أو خبير في الجغرافيا أو باحث في الطب يعني إغلاق نافذة معرفية كانت تخدم المجتمع بأسره، وعندما يتحول الأكاديمي الذي أفنى عمره في البحث إلى بائع للمعلبات أو الخضار، فإننا نكون أمام “مشروع معرفي معطل” يمثل خسارة جماعية عابرة للأجيال.
هذا النهج الاحتلالي لا يستهدف تدمير الحاضر فقط، بل يمتد أثره لضرب المستقبل التنموي والتعليمي لقطاع غزة لعقود طويلة قادمة، مما يجعل عملية إعادة البناء مهمة شاقة تتجاوز إعمار المباني إلى إعمار العقول المنهكة.
الآثار الاجتماعية والنفسية: تآكل قيمة المعرفة في عيون الأجيال
يحذر خبراء علم الاجتماع من أن استمرار هذا المشهد المأساوي يؤدي إلى خلل بنيوي خطير في سلم القيم المجتمعية الفلسطينية، فعندما يرى الجيل الصاعد من الطلاب والشباب أساتذتهم وعلماءهم في حالة من العوز المادي والمهني، يتراجع إيمانهم الجماعي بجدوى التعليم كوسيلة للارتقاء والنجاح، وهذا التآكل في “قيمة المعرفة” هو أحد أخطر أهداف الحرب.
حيث يسعى الاحتلال لتجهيل المجتمع وجعله أكثر هشاشة وتبعية وانشغالاً بلقمة العيش عن القضايا الكبرى، ويعيش الأكاديميون في غزة اليوم حالة من الاغتراب المزدوج، حيث يضطرون لتقمص شخصيتين؛ شخصية “البائع” الصابر في الأسواق نهارًا، وشخصية “الباحث” الحزين الذي يلوذ بكتبه وأفكاره ليلاً تحت ضوء الشموع، في محاولة يائسة للحفاظ على توازنهم النفسي ومنع هويتهم الحقيقية من التلاشي والذوبان في زحام المعاناة اليومية.
مستقبل العقول الفلسطينية: بين البقاء المر وضياع الأمل
يبقى التساؤل الملح يتردد في أروقة الصدور، ما هو المصير النهائي لهذه العقول؟ في ظل انعدام أي أفق سياسي أو عسكري قريب لإنهاء الحرب وإعادة الإعمار، بات خيار الهجرة القسرية والبحث عن ملاذات آمنة في الخارج يراود الكثير من الكفاءات، ليس رغبة في مغادرة الوطن، بل بحثًا عن بيئة تحترم العلم وتضمن الكرامة، ومع ذلك، يختار الكثيرون البقاء والصمود، ممارسين بحثهم العلمي في “مختبرات الصبر” اليومي، مؤمنين بأن العلم لا يموت برصاصة ولا يندثر بهدم جدار.
إن إنقاذ الكوادر الأكاديمية في غزة يتطلب تدخلاً دوليًا عاجلاً يتجاوز حدود المساعدات الإغاثية التقليدية، ليشمل حماية المؤسسات التعليمية وإعادة تفعيل المنظومة الجامعية فورًا، لضمان ألا يتحول الحلم العلمي الفلسطيني إلى مجرد أسطورة تحت الأنقاض، ولتبقى غزة كما كانت دائمًا، منارة للعلم والعلماء رغم أنف الدمار.

