ذات صلة

جمع

من “خبز المواطن” إلى “صواريخ الوكلاء”.. اختلال الأولويات في ميزانية طهران

تواجه إيران تحديات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، نتيجة عقود...

خطيئة “الأنبوب الواحد”.. لماذا تأخر العراق في تأمين مسارات بديلة لنفطه؟

يعيش الاقتصاد العراقي واحدة من أخطر لحظات الانكشاف الاستراتيجي...

سجون المعونات.. كيف تمنع قيود الحوثي وصول الدواء والغذاء إلى المناطق المحتاجة؟

تتصاعد وتيرة الانتهاكات الحوثية الممنهجة ضد العمل الإغاثي في...

فاتورة التبعية لطهران.. كيف تدفع بغداد ثمن “إرهاب المسيرات” من سمعتها ومصالحها الدولية؟

تواجه الدولة العراقية في المرحلة الراهنة اختبارًا هو الأصعب...

بين التصعيد والتسوية.. خيارات ترامب تضيق بعد جمود مفاوضات إيران

تضع تطورات الملف الإيراني الإدارة الأميركية أمام مفترق حاسم،...

من “خبز المواطن” إلى “صواريخ الوكلاء”.. اختلال الأولويات في ميزانية طهران

تواجه إيران تحديات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، نتيجة عقود من السياسات التي فضلت فيها القيادة السياسية التوسع الإقليمي والإنفاق العسكري على حساب التنمية المحلية ورفاهية المواطن.

وفي رصد دقيق لجرائم النظام الإيراني بحق شعبه، يبرز اختلال الميزانية كأحد أخطر الأدوات التي أدت إلى تآكل الطبقة الوسطى وانحدار الملايين تحت خط الفقر، فبينما تخصص طهران مليارات الدولارات لتطوير برامج الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة ودعم الوكلاء والمليشيات في مناطق النزاع، يجد المواطن الإيراني نفسه في صراع يومي لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية مثل الخبز والدواء.

هذا التباين الحاد في الأولويات لا يمثل فقط فشلاً إداريًا، بل يرقى إلى كونه جريمة اقتصادية منظمة، حيث يتم استنزاف ثروات البلاد النفطية لتمويل حروب الوكالة، مما يضع الدولة الإيرانية أمام مفترق طرق حاسم بين الاستمرار في نهج التعنت أو الانهيار التام من الداخل تحت وطأة الضغوط المعيشية المتفاقمة.

استنزاف ثروات النفط لتمويل أذرع المليشيات الإقليمية

تعد قضية تمويل الأذرع العسكرية والمليشيات في دول الجوار من أبرز الملفات التي تثير حفيظة الداخل الإيراني، حيث تشير التقارير الاقتصادية المسربة إلى أن النظام يقتطع نسبًا ضخمة من عوائد النفط لدعم عمليات عسكرية خارج الحدود، بدلاً من توجيه تلك الأموال لإصلاح البنية التحتية المتهالكة أو دعم السلع الغذائية الأساسية التي شهدت أسعارها قفزات جنونية.

إن جريمة النظام هنا تكمن في مقايضة استقرار المواطن المعيشي بطموحات جيوسياسية وهمية؛ مما أدى إلى عجز ميزانيات التعليم والصحة والخدمات العامة.

وبحسب مراقبين، فإن فاتورة دعم الوكلاء قد تضاعفت في السنوات الأخيرة لتغطية تكاليف التسلح المتزايدة، مما جعل “خبز المواطن” ضحية مباشرة لهذه السياسات، حيث تراجعت القدرة الشرائية للريال الإيراني لمستويات تاريخية، وتحولت الأسواق المحلية إلى ساحات للغلاء الفاحش الذي لم يعد يرحم صغار الكسبة أو الموظفين.

برامج التسلح البالستي والتكلفة الباهظة للتعنت النووي

لا يتوقف استنزاف الميزانية عند دعم المليشيات فحسب، بل يمتد ليشمل الإنفاق المفرط على برامج التسلح النووي والبالستي التي كلفت الدولة الإيرانية عقوبات دولية قاسية.

إن إصرار طهران على سياسة التعنت في المفاوضات الدولية أدى إلى إغلاق قنوات التجارة العالمية في وجه المنتجات الإيرانية، مما زاد من حدة العزلة الاقتصادية، وفي الوقت الذي تفتخر فيه القيادة الإيرانية بتدشين صواريخ ومسيرات جديدة، يواجه قطاع الصحة عجزًا صارخًا في الأدوية المنقذة للحياة والمستلزمات الطبية الأساسية، هذه المفارقة المؤلمة تعكس الوجه القبيح لاختلال الأولويات، حيث يتم تفضيل “الهيبة العسكرية” الزائفة على حياة الأفراد وسلامتهم الصحية.

وتؤكد التقارير، أن الجرائم الاقتصادية الناتجة عن هذا التعنت قد أدت إلى إغلاق آلاف المصانع وتسريح ملايين العمال، مما رفع معدلات البطالة إلى أرقام قياسية تهدد السلم الاجتماعي داخل المدن الكبرى.

انهيار العملة المحلية وتبعات التضخم على المائدة الإيرانية

نتيجة للسياسات المالية الموجهة لخدمة الأجندة العسكرية، شهدت العملة الإيرانية انهيارًا متسارعًا أمام العملات الأجنبية، وهو ما انعكس مباشرة على تكلفة استيراد المواد الغذائية الأساسية، وتحولت المائدة الإيرانية من مائدة عامرة بالأصناف التقليدية إلى مائدة تفتقر لأبسط المكونات البروتينية نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار اللحوم والألبان.

إن جريمة النظام في هذا السياق تتمثل في سوء إدارة الموارد النقدية وتوجيه العملة الصعبة لخدمة “صواريخ الوكلاء” بدلاً من تأمين المخزون الاستراتيجي من القمح والزيوت، هذا التضخم الجامح خلق فجوة طبقية هائلة، حيث باتت القلة المرتبطة بالنظام تنعم بالثروات، بينما يغرق سواد الشعب الأعظم في دوامة الديون والبحث عن العمل.

وتعد هذه الحالة الاقتصادية المتردية وقودًا دائمًا للاحتجاجات الشعبية التي تنفجر بين الحين والآخر في المحافظات الإيرانية المختلفة، معبرة عن رفضها لهذا النهج الذي يسحق الإنسان من أجل السلاح.

مستقبل إيران بين مطرقة العقوبات وسندان السياسات التوسعية

بينما تقف إيران اليوم في مفترق حاسم، يرى المحللون أن الاستمرار في هذه السياسة سيؤدي حتماً إلى كارثة إنسانية شاملة داخل البلاد، فالتعنت في المواقف السياسية والتمسك بالخيار العسكري كوسيلة وحيدة لفرض النفوذ لا يجلب سوى المزيد من العقوبات والمزيد من الخنق الاقتصادي.

إن المطلوب هو إحداث ثورة في هيكل الميزانية تعيد الاعتبار للمواطن الإيراني وحقوقه الأساسية في الحياة والعمل والرفاهية، إن التوقف عن تمويل الحروب الخارجية والتركيز على التنمية المستدامة هو المخرج الوحيد لتفادي انفجار داخلي وشيك، فالتاريخ يثبت أن الدول التي تهمل شعوبها من أجل طموحاتها العسكرية الخارجية تنتهي دائمًا بالسقوط من الداخل، والمواطن الإيراني الذي دفع فاتورة التعنت من لحمه الحي لن يظل صامتًا إلى الأبد أمام نظام يفضل “صواريخ الوكلاء” على “خبز الأبناء”.