ذات صلة

جمع

من “خبز المواطن” إلى “صواريخ الوكلاء”.. اختلال الأولويات في ميزانية طهران

تواجه إيران تحديات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، نتيجة عقود...

خطيئة “الأنبوب الواحد”.. لماذا تأخر العراق في تأمين مسارات بديلة لنفطه؟

يعيش الاقتصاد العراقي واحدة من أخطر لحظات الانكشاف الاستراتيجي...

سجون المعونات.. كيف تمنع قيود الحوثي وصول الدواء والغذاء إلى المناطق المحتاجة؟

تتصاعد وتيرة الانتهاكات الحوثية الممنهجة ضد العمل الإغاثي في...

فاتورة التبعية لطهران.. كيف تدفع بغداد ثمن “إرهاب المسيرات” من سمعتها ومصالحها الدولية؟

تواجه الدولة العراقية في المرحلة الراهنة اختبارًا هو الأصعب...

بين التصعيد والتسوية.. خيارات ترامب تضيق بعد جمود مفاوضات إيران

تضع تطورات الملف الإيراني الإدارة الأميركية أمام مفترق حاسم،...

خطيئة “الأنبوب الواحد”.. لماذا تأخر العراق في تأمين مسارات بديلة لنفطه؟

يعيش الاقتصاد العراقي واحدة من أخطر لحظات الانكشاف الاستراتيجي في تاريخه الحديث، حيث كشفت التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج العربي والتهديدات المستمرة بإغلاق مضيق هرمز عن “خطيئة كبرى” ارتكبتها الحكومات المتعاقبة، ألا وهي الارتهان شبه الكامل لمنفذ تصديري وحيد.

ويمثل مضيق هرمز بالنسبة للعراق أكثر من مجرد ممر مائي؛ إنه الرئة الوحيدة التي يتنفس منها الاقتصاد العراقي الريعي، حيث يمر عبره نحو 90% من الصادرات النفطية التي تشكل العمود الفقري للموازنة العامة للدولة.

ومع كل اهتزاز أمني في هذا الممر الضيق، تضع بغداد يدها على قلبها، خوفًا من “سكتة مالية” قد تعصف بقدرة الدولة على دفع الرواتب وتسيير المرافق الحيوية، مما يعيد طرح التساؤل الجوهري حول الأسباب الحقيقية التي عطلت مشاريع الأنابيب البديلة وحولت العراق إلى “رهينة جغرافية” في صراع القوى الإقليمية.

هشاشة الاقتصاد الريعي وانكشاف الأمن القومي النفطي

تعد هشاشة الاقتصاد العراقي في مواجهة أزمات المضائق الدولية نتيجة طبيعية لسنوات من الاعتماد الكلي على تصدير الخام عبر موانئ البصرة الجنوبية.

وفي ظل غياب التنوع في منافذ التصدير، أصبح الأمن القومي النفطي العراقي مكشوفًا بالكامل أمام أي تهديد يطال مضيق هرمز.

إن “خطيئة الأنبوب الواحد” لا تكمن فقط في الجغرافيا، بل في السياسة الاقتصادية التي لم تضع في حسبانها سيناريوهات “تصفير الصادرات” القسري.

فعندما يهدد صراع إقليمي بإغلاق المضيق، لا يجد العراق بدائل جاهزة لتعويض الملايين من براميل النفط التي تتدفق يومياً عبر الخليج، مما يعني توقف التدفقات النقدية من الدولار، وانهيار القوة الشرائية للدينار، ودخول البلاد في نفق مظلم من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة.

صراعات الداخل والخارج: لماذا تعطلت أنابيب العقبة وبانياس؟

لطالما كانت هناك مشاريع طموحة على الورق لفك الارتباط بمضيق هرمز، وأبرزها مشروع أنبوب “البصرة – العقبة” نحو الأردن، وإعادة تأهيل خط “كركوك – بانياس” نحو سوريا، فضلاً عن تعزيز التصدير عبر ميناء جيهان التركي ومع ذلك، بقيت هذه المشاريع حبيسة الأدراج أو تعثرت بفعل التجاذبات السياسية الداخلية والتدخلات الإقليمية.

فقد واجه أنبوب العقبة معارضة شرسة من قوى سياسية داخلية بذريعة التكلفة العالية أو الاعتبارات السياسية، بينما حالت الأوضاع الأمنية والسياسية في سوريا دون استعادة شريان بانياس.

هذا الفشل في تأمين مسارات برية نحو البحر الأحمر والمتوسط جعل العراق يدفع فاتورة باهظة من استقراره الاقتصادي، حيث بقي مضيق هرمز هو الممر الإجباري والوحيد الذي لا يملك العراق بدلاً عنه حتى الآن.

التكلفة الباهظة لإهمال التنوع الاستراتيجي لمنافذ التصدير

إن التأخر في تأمين مسارات بديلة لن يمر دون ثمن باهظ، فالعراق اليوم في 2026 يجد نفسه مضطرًا لتقديم تنازلات سياسية أو تحمل أعباء تأمين ملاحي خرافية لضمان مرور ناقلاته عبر هرمز.

كما أن الاعتماد على منفذ واحد يضعف موقف العراق التفاوضي داخل منظمة “أوبك” وفي الأسواق العالمية، حيث يخشى المشترون من توقف الإمدادات المفاجئ.

وتعكس أرقام الموازنة العراقية هذا الرعب؛ إذ أن أي توقف للملاحة في هرمز لمدة شهر واحد فقط كفيل بخلق عجز مالي يفوق قدرة الدولة على الاقتراض الداخلي أو الخارجي.

إنها خطيئة التخطيط الاستراتيجي التي تجاهلت حقيقة أن النفط لا قيمة له إذا لم يجد طريقًا آمنًا ومستقرًا للوصول إلى المستهلك النهائي بعيدًا عن صراعات المضائق الساخنة.

خط التصدير الشمالي والتعقيدات مع إقليم كردستان وتركيا

لم يكن المسار الشمالي عبر تركيا أفضل حالاً، إذ تعثرت صادرات نفط الشمال مرارًا بسبب الخلافات القانونية والمالية بين بغداد وأربيل من جهة، وبين العراق وتركيا من جهة أخرى.

هذا الشلل في الخط الشمالي زاد من الضغط على موانئ الجنوب، وضاعف من أهمية مضيق هرمز كمنفذ وحيد، بدلاً من أن يكون أحد الخيارات المتاحة.

إن غياب التنسيق الوطني الشامل والرؤية الموحدة لإدارة ملف الطاقة أدى إلى خسارة العراق لمرونته اللوجستية، مما جعل أي خلل تقني في الموانئ الجنوبية أو تهديد أمني في الخليج بمثابة تهديد وجودي للدولة.

إن استعادة فاعلية الخط الشمالي وتوسيع طاقته الاستيعابية بات ضرورة قصوى وليس خيارًا ترفيهيًا في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم.

يفرض واقع عام 2026 على صانع القرار في العراق التحرك الفوري لتصحيح هذه الخطيئة التاريخية عبر البدء الفعلي في تنفيذ شبكة أنابيب برية متعددة الوجهات.

إن تأمين “أمن الطاقة” يتطلب توزيع الصادرات بين البحر الأحمر، والمتوسط، والخليج، لضمان عدم توقف الإمدادات تحت أي ظرف.

كما يجب أن يترافق ذلك مع بناء خزانات استراتيجية ضخمة خارج منطقة الخليج لضمان استمرار التصدير في حالات الطوارئ، وإن التباطؤ في اتخاذ هذه الخطوات يعني استمرار العراق كـ “رجل المنطقة المريض” اقتصاديًا، الذي ترتعش أوصاله مع كل مناورة عسكرية أو تهديد ملاحي في مضيق هرمز، وهي حالة لا تليق بدولة تمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في المنطقة وتطمح للعب دور قيادي في سوق الطاقة العالمي.

سيناريوهات المستقبل في ظل استمرار ارتهان النفط بمضيق هرمز

إذا استمر العراق في نهج “الأنبوب الواحد” دون حلول حقيقية، فإن المستقبل يحمل سيناريوهات قاتمة تتراوح بين الانهيار المالي الكامل في حال اشتعال صراع مفتوح في الخليج، وبين التبعية السياسية المطلقة للقوى التي تتحكم في الممر المائي.

إن فك الارتهان الجغرافي ليس مجرد مشروع هندسي أو إنشائي، بل هو قرار سيادي بامتياز يستهدف حماية لقمة عيش ملايين العراقيين من تقلبات السياسة الدولية وإن الوقت يداهم بغداد، وتكلفة الانتظار تزداد يومًا بعد يوم، وما كان ممكنًا تنفيذه بتكاليف معقولة قبل سنوات، بات اليوم يتطلب استثمارات ضخمة وإرادة سياسية صلبة قادرة على تجاوز الخلافات الداخلية لضمان بقاء تدفق الذهب الأسود، شريان الحياة الوحيد، بعيدًا عن مقصلة مضيق هرمز التي تهدد بقطعه في أي لحظة.