تواجه الدولة العراقية في المرحلة الراهنة اختبارًا هو الأصعب منذ سنوات في الحفاظ على توازنها السياسي وسيادتها الوطنية، حيث تحولت سماء العاصمة بغداد ومدينة أربيل إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية عبر “سلاح المسيرات” الذي تديره فصائل مسلحة موالية لإيران.
إن الهجوم الأخير الذي استهدف منشأة دبلوماسية أمريكية رئيسية في بغداد، وما تبعه من تحرك دبلوماسي أمريكي حازم تمثل في استدعاء السفير العراقي، يعيد تسليط الضوء على “فاتورة التبعية” الباهظة التي تدفعها الدولة العراقية من رصيد سمعتها الدولية واستقرارها الأمني.
فلم يعد الحديث اليوم مقتصرًا على مناوشات عسكرية محدودة، بل تطور الأمر ليمس جوهر التزامات العراق الدولية بحماية البعثات الدبلوماسية والمقيمين، مما يضع الحكومة العراقية أمام مأزق حقيقي يتمثل في عجزها عن لجم جماح الفصائل التي تستمد قوتها وتكنولوجيتها العسكرية مباشرة من طهران، ضاربةً عرض الحائط بكل التفاهمات والهدن السياسية التي تحاول الحكومة صياغتها لتجنيب البلاد ويلات الصراع المباشر.
المسيرات الانتحارية: سلاح طهران لتقويض السيادة العراقية
لم يعد سرًا أن تكنولوجيا الطائرات المسيرة التي تمتلكها الفصائل العراقية هي نتاج تعاون وثيق وإمدادات مستمرة من الحرس الثوري الإيراني، حيث تم تصميم هذا السلاح ليكون “خنجرًا” في خاصرة أي جهد عراقي يسعى للاستقلال بالقرار الوطني.
وقالت مصادر: إن استخدام المسيرات في استهداف مراكز الدعم الدبلوماسي ومحيط مطار بغداد الدولي يعكس استراتيجية إيرانية واضحة تهدف إلى إبقاء العراق في حالة من “الفوضى المنضبطة”، حيث يتم توظيف هذه الهجمات كرسائل ضغط سياسي على الإدارة الأمريكية في ملفات إقليمية متعددة، والضحية الكبرى في هذه المعادلة هي السيادة العراقية التي تآكلت بفعل هذه الاختراقات الجوية المتكررة، مما جعل المؤسسات الأمنية الرسمية تبدو في موقف دفاعي ضعيف، عاجزة عن رصد أو منع انطلاق هذه الطائرات من مناطق تخضع اسميًا لسلطة الدولة، بينما هي في الواقع قلاع محصنة للميليشيات التي ترى في الأجندة الإيرانية أولوية قصوى تتجاوز المصالح الوطنية العراقية.
دبلوماسية تحت النار: استدعاء السفير وتآكل الثقة الدولية
يمثل استدعاء السفير العراقي من قبل وزارة الخارجية الأمريكية نقطة تحول خطيرة في مسار العلاقات الثنائية، فهو يعكس “نفاد الصبر” الأمريكي تجاه الوعود العراقية المتكررة بحماية المنشآت الدبلوماسية.
إن واشنطن، من خلال هذا التحرك الدبلوماسي الخشن، تضع بغداد أمام مسؤولياتها القانونية كدولة مضيفة للبعثات، وتلمح بوضوح إلى أن استمرار عجز الحكومة عن السيطرة على الفصائل الموالية لإيران قد يؤدي إلى ردود فعل عسكرية مباشرة داخل الأراضي العراقية دون التنسيق مع الحكومة، هذا التآكل في الثقة الدولية لا يتوقف عند حدود الولايات المتحدة، بل يمتد ليشمل المنظمات الدولية والشركات الأجنبية والجامعات التي أصبحت اليوم، وبحسب تحذيرات السفارة الأمريكية، أهدافًا محتملة لـ “إرهاب المسيرات”.
إن خسارة العراق لمصداقيته كبيئة آمنة للاستثمار والدبلوماسية هي التكلفة الحقيقية التي يدفعها المواطن العراقي نتيجة ارتهان قرار بعض القوى الميدانية لإرادة الخارج.
لعبة الهدنة والمراوغة: كيف تتبادل الفصائل الأدوار؟
أثارت الحوادث الأخيرة تساؤلات جوهرية حول حقيقة “هدنة الأسبوعين” التي أعلنت عنها الفصائل المسلحة، حيث كشف هجوم المسيرة الأخير عن وجود انقسام حاد أو “تبادل أدوار” مدروس داخل منظومة الميليشيات الموالية لطهران، فبينما تعلن جهات عن وقف العمليات لإعطاء فرصة للمفاوضات السياسية، تقوم جهات أخرى تابعة لنفس المحور بتنفيذ هجمات انتحارية بمسيرات، مما يشير إلى أن قرار السلم والحرب ليس بيد بغداد، بل هو قرار مركزي يصدر من طهران وفقًا لمتطلبات الصراع مع واشنطن، هذا الارتباك الميداني والسياسي يضعف موقف الحكومة العراقية التي تحاول تسويق التزامها بحماية المقيمين، بينما الواقع يثبت أن الميليشيات تمتلك القدرة على خرق أي تعهد حكومي في أي لحظة، مما يحول العراق إلى ساحة “بريد دامية” للرسائل الإيرانية، ويهدد بتحويل الهدنة المفترضة إلى مجرد استراحة لتجهيز جولة جديدة من التصعيد الأكثر عنفًا وتدميرًا.
مستقبل الردع ومأزق الدولة في مواجهة الميليشيات
إن استمرار “إرهاب المسيرات” يضع العراق أمام سيناريوهات قاتمة، حيث يتحول تدريجيًا إلى “دولة فاشلة” أمنيًا رغم امتلاكها جيشًا وجهاز مكافحة إرهاب من بين الأقوى في المنطقة.
المشكلة تكمن في “القرار السياسي” المكبل بالولاءات العابرة للحدود، وهو ما يمنع القوات الأمنية من ملاحقة أوكار إطلاق المسيرات أو محاسبة القيادات الميدانية المتورطة، وإن المجتمع الدولي يراقب بدقة كيف يتم استهداف مطارات مدنية ومنشآت طاقة وفنادق، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى عزلة دولية شاملة للعراق، تشبه تلك التي عاشها في تسعينيات القرن الماضي.
كما أن الطريق الوحيد لاستعادة السيادة يتمثل في “بتر أذرع إيران” داخل المؤسسة الأمنية والسياسية العراقية، والانتقال من مرحلة “الإقرار بالجهود” الأمنية إلى مرحلة “الفرض السيادي” للقانون على الجميع دون استثناء، وإلا فإن بغداد ستظل تدفع فاتورة التبعية من دم أبنائها ومستقبل أجيالها.

