دخلت العلاقات الإسرائيلية الأوروبية نفقًا مظلمًا بعد إقرار الكنيست الإسرائيلي، بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48، مشروع قانون مثير للجدل يفرض عقوبة الإعدام كحكم تلقائي على الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين في المحاكم العسكرية.
هذا التشريع، الذي دفع به وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، لم يمر مرور الكرام في العواصم الأوروبية التي ترفض مبدئيًا عقوبة الإعدام وتعتبرها انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية.
إن التزامن بين إقرار هذا القانون وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة خلق حالة من الإجماع النادر بين برلين وباريس ولندن وروما، حيث انتقلت هذه العواصم من لغة “القلق” التقليدية إلى التلويح الجدي بفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية، مما يضع اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل على المحك، ويهدد بعزل تل أبيب دوليًا في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى دعم حلفائها الغربيين.
الغضب الأوروبي: تلويح بالعقوبات وتعليق الاتفاقيات
لم تكتفِ القوى الكبرى في أوروبا بإصدار بيانات الإدانة، بل كشفت تقارير استخباراتية وإعلامية عن “محادثات محمومة” جرت خلف الكواليس، حذر فيها مسؤولون أوروبيون نظراءهم الإسرائيليين من أن المضي قدمًا في هذا التشريع سيؤدي إلى عواقب وخيمة لا تقتصر على التصريحات السياسية. إن التهديد الأوروبي يتركز اليوم حول “إلغاء أو تعليق” أجزاء حيوية من اتفاقية الشراكة، وهو ما يعني تجميد التعاون التكنولوجي، الاقتصادي، والعلمي، فضلاً عن تعليق الحوار السياسي رفيع المستوى.
ويرى الاتحاد الأوروبي أن إسرائيل بتبنيها نظامين قانونيين مختلفين على أساس عرقي وقومي “واحد لليهود والآخر للعرب”، تندفع نحو “هاوية أخلاقية” تقضي على صفتها كدولة ديمقراطية، وهو ما يجعل من الصعب على القادة الأوروبيين تبرير استمرار الشراكة الاستراتيجية مع حكومة تتبنى قوانين توصف بأنها “تمييزية بامتياز”.
هندسة التطرف: “بن غفير” وحبل المشنقة في الكنيست
يعكس إقرار هذا القانون سيطرة الأجندة اليمينية المتطرفة على مفاصل القرار في حكومة بنيامين نتنياهو، حيث كان لافتًا ظهور إيتمار بن غفير ومؤيديه في الكنيست وهم يرتدون دبابيس على شكل “حبل المشنقة”، في رسالة تحدٍ واضحة للمجتمع الدولي وللمؤسسات القانونية الإسرائيلية ذاتها.
وبموجب القانون الجديد، سيتم تنفيذ حكم الإعدام شنقًا خلال 90 يومًا من صدوره، مع حرمان المُدان من الحق في طلب العفو، وهو بند وصفه خبراء قانونيون دوليون بأنه “انتقامي” ويفتقر إلى الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة.
ورغم محاولات نتنياهو تخفيف بعض بنود القانون لتجنب الرد الدولي العنيف، إلا أن النسخة النهائية ظلت محتفظة بجوهرها الذي يستهدف الفلسطينيين بشكل أساسي، مما يعزز الاتهامات الدولية لإسرائيل بتكريس نظام “الأبارتهايد” القضائي في الأراضي المحتلة.
قلق أممي وتعريفات فضفاضة: مخاطر الانزلاق نحو التصفية
حذرت مجموعة من خبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية مثل “منظمة العفو الدولية” من أن القانون الجديد يعتمد تعريفات “غامضة وفضفاضة” لمصطلح الإرهاب، مما يفتح الباب أمام إصدار أحكام بالإعدام على سلوكيات قد لا تصنف كأعمال إرهابية بالمعنى الدقيق، بل قد تدخل في إطار المقاومة المشروعة أو النشاط السياسي.
إن هذا الغموض التشريعي يمنح القضاة العسكريين صلاحيات واسعة لإصدار أحكام القتل بدم بارد، وهو ما تراه أوروبا تهديدًا للاستقرار الإقليمي، حيث سيؤدي تنفيذ أول حكم إعدام إلى انفجار شامل في الأراضي الفلسطينية لا يمكن احتواؤه.
كما أن التجربة التاريخية في الصراعات المشابهة أثبتت أن عقوبة الإعدام لا تشكل رادعًا، بل تتحول إلى وقود لإشعال المزيد من العمليات الانتقامية، مما ينسف مبررات بن غفير الأمنية التي يروج لها أمام جمهوره من المستوطنين.
مستقبل العلاقات الدولية: هل انتهى زمن الحصانة لإسرائيل؟
يضع هذا التشريع حلفاء إسرائيل التقليديين في موقف محرج للغاية، خاصة في بريطانيا وألمانيا اللتين لطالما دافعتا عن حق إسرائيل في “الدفاع عن نفسها”.
إن الإجماع الأوروبي على أن القانون “يقوض الالتزامات الديمقراطية” يشير إلى تحول عميق في السياسة الخارجية الغربية تجاه تل أبيب، حيث لم يعد ممكنًا غض الطرف عن التجاوزات القانونية الصارخة، ومع توجه جماعات حقوقية إسرائيلية للطعن في القانون أمام المحكمة العليا، يترقب العالم ما إذا كان القضاء الإسرائيلي سينجح في كبح جماح التطرف الحكومي، أم أن السلطة التشريعية قد أحكمت قبضتها بالفعل على السلطة القضائية.
وفي حال فشل الطعون الداخلية، فإن الخطوة التالية ستكون في أروقة بروكسل، حيث قد نشهد لأول مرة عقوبات اقتصادية فعلية تعيد صياغة مفهوم “الشراكة” بين أوروبا وإسرائيل على أسس جديدة تضع حقوق الإنسان فوق المصالح التجارية.

