ذات صلة

جمع

بين المبدأ والواقع.. هل تواجه ألمانيا مأزقًا تاريخيًا مع اللاجئين السوريين؟

أثارت التصريحات الأخيرة لخبراء قانونيين وسياسيين في ألمانيا حول...

الريال المحبوس.. كيف حوّلت سياسات الحوثي جيوب اليمنيين إلى خزائن حربية؟

لم تعد الحرب في اليمن مجرد مواجهات عسكرية على خطوط التماس، بل تحولت في مناطق سيطرة جماعة الحوثي إلى معركة اقتصادية شرسة تستهدف لقمة عيش المواطن البسيط بشكل مباشر ومنهجي.

ومنذ اللحظات الأولى لسيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة في صنعاء، بدأت ملامح استراتيجية “الريال المحبوس” تتشكل بوضوح، حيث تم تقييد حركة الأموال وحصرها في قنوات تخدم الأجندة العسكرية فقط.

إن هذه السياسات لم تكن وليدة الصدفة أو نتيجة لظروف الحرب فحسب، بل هي خطة مدروسة لتحويل جيوب اليمنيين ومقدراتهم المالية إلى خزائن بديلة لتمويل ما يسمى بـ”المجهود الحربي”؛ وهو ما أدى إلى خلق فجوة هائلة بين نخبة حوثية تزداد ثراءً وبين ملايين المواطنين الذين يواجهون شبح المجاعة الحقيقية في ظل انقطاع المرتبات وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل جنوني.

عسكرة الاقتصاد.. تحويل المؤسسات إلى مرافق للجباية

قامت جماعة الحوثي بإعادة هيكلة النظام المالي في المناطق الخاضعة لسيطرتها بما يضمن تدفق الأموال من القاعدة الشعبية إلى القمة القيادية للجماعة، حيث تم تحويل مصلحة الضرائب والجمارك ومؤسسات الزكاة إلى أدوات قمعية لجمع الأموال بدلاً من تقديم الخدمات.

المواطن اليمني اليوم يجد نفسه محاصرًا بمنظومة معقدة من الإتاوات التي تفرض تحت مسميات دينية ووطنية واهية، مثل “دعم القوة الصاروخية” أو “الاحتفالات الطائفية”، وهي أموال تُنتزع قسرًا من صغار الكسبة والمزارعين والشركات التجارية، هذا التحول من “دولة الخدمات” إلى “سلطة الجباية” جعل من النشاط الاقتصادي في صنعاء عبارة عن عملية تمويل مستمرة للحروب، حيث يتم تجفيف السيولة من الأسواق وتوجيهها لشراء الولاءات وتطوير القدرات العسكرية، مما أصاب القطاع الإنتاجي بالشلل التام.

تجفيف المدخرات.. حرب العملة وتقسيم النظام المصرفي

تعد القرارات النقدية التي اتخذتها الجماعة، وفي مقدمتها حظر تداول العملة الوطنية الجديدة، حجر الزاوية في سياسة “حبس الريال” وإفقار المجتمع، حيث أدت هذه الخطوة إلى خلق سوق سوداء للعملة وفوارق هائلة في التحويلات المالية بين المحافظات.

لقد تسببت هذه السياسة في نهب غير مباشر لمدخرات المواطنين الذين فقدوا قيمة أموالهم بين ليلة وضحاها، واضطروا للتعامل بكتلة نقدية تالفة ومتهالكة لا تغطي احتياجات السوق.

والهدف الحقيقي من وراء هذه الفوضى النقدية هو إحكام السيطرة على التدفقات المالية الخارجية والداخلية، وإجبار البنوك التجارية على الخضوع لإملاءات الجماعة، مما حول القطاع المصرفي من محرك للتنمية إلى حصالة تابعة للمشرفين الحوثيين الذين يديرون اقتصاد الظل بعيدًا عن أي رقابة قانونية أو محاسبية.

الرواتب المنهوبة: سلاح التجويع لضمان التبعية

يمثل ملف رواتب موظفي الدولة الجريمة الاقتصادية الأكبر في حق الشعب اليمني، حيث تصر جماعة الحوثي على التنصل من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية بصرف الأجور رغم المليارات التي تجنيها من إيرادات ميناء الحديدة والاتصالات والضرائب.

إن سياسة “تجميد الرواتب” ليست عجزًا ماليًا، بل هي سلاح سياسي يستخدمه الحوثي لضمان تبعية الموظفين وإرغامهم على العمل في ظروف قاسية أو الانخراط في الجبهات بحثًا عن لقمة العيش وبدلاً من توجيه الإيرادات العامة نحو الصحة والتعليم، يتم إنفاقها ببذخ على العروض العسكرية والاحتفالات الضخمة، بينما يموت المرضى في المستشفيات الحكومية لعدم توفر أبسط المستلزمات الطبية.

هذا الإصرار على حرمان الملايين من حقوقهم المالية حول بيوت اليمنيين إلى أماكن لليأس والمعاناة، بينما تزدهر تجارة العقارات والاستثمارات الخاصة بقيادات الجماعة.

السوق السوداء: كيف تُصنع الأزمات لتعظيم الأرباح؟

تعتمد الجماعة استراتيجية “الأزمات المفتعلة” كأداة لتعظيم أرباحها المالية، وخاصة في قطاع المشتقات النفطية والغاز المنزلي، حيث يتم إخفاء المواد الأساسية من المحطات الرسمية لتظهر فجأة في “السوق السوداء” التابعة للمشرفين بأسعار مضاعفة.

المواطن اليمني الذي يقضي أيامًا في طوابير الوقود يدرك جيدًا أن هذه الأزمة هي عملية نهب منظم لجيوبهم، حيث تذهب فوارق الأسعار مباشرة لتمويل المسيرات والصواريخ بدلاً من تخفيف المعاناة هذه الدورة الاقتصادية المشوهة جعلت من تكلفة النقل والإنتاج الزراعي والصناعي عبئًا لا يطاق؛ مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسب تفوق القدرة الشرائية لمعظم الأسر، وهو ما يخدم سياسة الجماعة في جعل الحصول على الطعام هو الهم الوحيد للمواطن، لإلهائه عن المطالبة بحقوقه السياسية والمدنية.