لم يعد المشهد في قطاع غزة يقتصر على دمار الحجر والبشر بفعل الآلات العسكرية، بل انتقل إلى مرحلة أكثر رعبًا وفتكًا يُطلق عليها الخبراء “الموت الصامت”، حيث تحوّلت مراكز النزوح المكتظة والخيام المتهالكة إلى بؤر وبائية تنتشر فيها الأمراض الفتّاكة كالنار في الهشيم.
إن هذا الانهيار لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج طبيعي لتدمير ممنهج طال كافة مفاصل المنظومة الطبية، بدءًا من المشافي المركزية وصولًا إلى أصغر وحدات الرعاية الأولية، مما جعل المصاب بمرض بسيط يواجه حكمًا بالإعدام لعدم توفر أبسط أنواع المضادات الحيوية أو بيئة استشفاء آمنة. وهذا الواقع المرير يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني حول مفهوم “الحماية الصحية” في زمن النزاعات المسلحة، خاصةً مع تحوّل الأوبئة إلى شريك استراتيجي في تقليص فرص النجاة لمن سَلِموا من القصف المباشر.
جغرافيا الموت: التكدس السكاني كمحرّك للأوبئة
إن النزوح القسري لملايين الفلسطينيين نحو مساحات ضيقة تفتقر لأدنى مقومات الصرف الصحي قد خلق ما يُسمّى بـ”جغرافيا الموت”، حيث يعيش في الخيمة الواحدة عشرات الأفراد، مما يجعل العدوى التنفسية والمعوية تنتقل بلمح البصر. وإن غياب المياه النظيفة وتوقف محطات التحلية أدّى بالنازحين إلى استخدام مياه ملوثة تسببت في انتشار واسع لمرض التهاب الكبد الوبائي والنزلات المعوية الحادة، لا سيما بين الأطفال الذين فقدوا مناعتهم الطبيعية بسبب سوء التغذية الحاد.
وتوضح التقارير التحليلية أن استهداف شبكات الصرف الصحي واختلاطها بمياه الأمطار في فصل الشتاء قد حوّل الطرقات إلى مستنقعات بيولوجية تنضح بالبكتيريا والطفيليات، وهو ما يعزّز من فرص عودة أمراض منقرضة مثل الكوليرا وشلل الأطفال لتضرب مجتمعًا بات عاريًا طبيًا أمام غزو الفيروسات.
المناعة المنهكة: سلاح الجوع وأثره في تفشي المرض
لا يمكن تحليل الكارثة الصحية في غزة بمعزل عن “حرب التجويع” التي تُمارس كأداة ضغط سياسي وعسكري، حيث إن نقص البروتينات والفيتامينات الضرورية قد أدّى إلى تهالك الجهاز المناعي لدى الغالبية العظمى من السكان. فالأجساد المنهكة التي تعيش على فتات المساعدات المتقطعة لا تمتلك القدرة على مقاومة أبسط أنواع البكتيريا، مما يفسّر ارتفاع معدلات الوفيات الناتجة عن أمراض بسيطة مثل الإنفلونزا أو الالتهابات الجلدية.
إن العلاقة الطردية بين الجوع والوباء حوّلت مراكز الإيواء إلى “غرف احتضار” جماعية، حيث تفتقر الأطقم الطبية المتبقية حتى إلى وسائل التشخيص الأساسية، مما يجعل التعامل مع المصابين يتم بطرق بدائية تعتمد على التخمين، في ظل غياب المختبرات التي دمّرها القصف أو توقفت بسبب انقطاع التيار الكهربائي ونقص الوقود المشغّل للمولدات الحيوية.
اغتيال القطاع الطبي: غرف العمليات تحت المقصلة
إن خروج أكثر من 90% من مستشفيات القطاع عن الخدمة ليس مجرد خسارة عمرانية، بل هو “اغتيال وظيفي” لمنظومة كانت قادرة على احتواء الأزمات. فاستهداف الكوادر الطبية المتخصصة بالقتل أو الاعتقال قد أفرغ القطاع من عقوله المدبّرة، بينما تعاني المجموعات الطبية المتبقية من إنهاك جسدي ونفسي حاد.
وأكدت مصادر أن تعمّد منع دخول الأدوية التخصصية والمعدات الطبية الدقيقة، مثل أجهزة الأشعة والمختبرات المتنقلة، يهدف إلى جعل غزة بيئة غير قابلة للحياة على المدى البعيد. إن العمليات الجراحية التي تُجرى دون تخدير أو في ظروف تفتقر للتعقيم ليست مجرد قصص مأساوية، بل هي واقع يكرّس انتشار التسمم الدموي والغرغرينا، مما يرفع من أعداد المبتورين والمشوّهين الذين سيشكّلون عبئًا صحيًا واجتماعيًا هائلًا في مرحلة ما بعد الحرب.
الركام السام: القنبلة البيولوجية غير المنظورة
بعيدًا عن الأمراض المعدية، تبرز كارثة “السموم البيئية” المنبعثة من ركام المباني المدمّرة والأسلحة المحرّمة دوليًا التي استُخدمت بكثافة. إن استنشاق الغبار المشبع بالمعادن الثقيلة والمواد الكيماوية الناتجة عن المتفجرات يزرع بذور أمراض سرطانية وتنفسية مزمنة ستظهر آثارها الكارثية في السنوات القادمة.
وتكشف التحليلات البيئية أن التربة والمياه الجوفية في غزة قد تلوثت بمستويات تفوق المعايير الدولية بآلاف المرات، مما يجعل الغذاء والماء في القطاع “مسمومين” بالمعنى الحرفي للكلمة. هذا النوع من التدمير البيئي الشامل يندرج ضمن سياسة الأرض المحروقة التي لا تكتفي بقتل الأحياء، بل تسمّم المستقبل وتجعل من عملية إعادة الإعمار تحديًا طبيًا قبل أن يكون معماريًا، نظرًا لضرورة التخلص الآمن من ملايين الأطنان من الحطام الملوث.

