يتحول جنوب لبنان تدريجيًا إلى واحدة من أكثر بؤر التوتر سخونة في المنطقة، مع تصاعد الهجمات الجوية التي تشنها الجيش الإسرائيلي، وسط مواجهة مفتوحة مع حزب الله، هذه الضربات، التي لم تعد تقتصر على الشريط الحدودي، اتسعت لتطال عمق الأراضي اللبنانية، حاملة معها تداعيات إنسانية واقتصادية ثقيلة، تضع البلاد على حافة أزمة شاملة.
وتأتي هذه التطورات في سياق حرب إقليمية أوسع، حيث أصبح لبنان ساحة متقدمة في الصراع المرتبط بالمواجهة مع إيران، ومع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية، تبدو خطوط التماس أكثر هشاشة، فيما يتزايد الضغط على المدنيين الذين يدفعون الكلفة الأكبر لهذه المواجهة.
غارات عابرة للحدود.. اتساع بنك الأهداف
خلال الأسابيع الماضية، شهدت الأراضي اللبنانية مئات الغارات الجوية التي استهدفت مواقع مختلفة، من الجنوب إلى بيروت مرورًا بمنطقة البقاع، هذه الضربات لم تقتصر على أهداف عسكرية تقليدية، بل شملت بنى تحتية حيوية ومناطق سكنية، ما يعكس تحوّلاً في طبيعة العمليات نحو استهداف أوسع.
التصعيد الميداني جاء ردًا على هجمات مكثفة شنها حزب الله، تضمنت إطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه إسرائيل. إلا أن الرد الإسرائيلي تجاوز منطق “الردع المحدود”، ليتحول إلى حملة جوية مستمرة تهدف إلى تقويض قدرات الحزب، مع إضعاف البيئة الحاضنة له.
وفي هذا السياق، أُعلن عن تنفيذ عمليات برية محدودة في الجنوب، بالتوازي مع الغارات، في خطوة تشير إلى إمكانية توسع العمليات مستقبلاً، كما ترافقت الضربات مع أوامر إخلاء واسعة، شملت عشرات القرى، وامتدت إلى مناطق تبعد عشرات الكيلومترات عن الحدود، ما يعكس نية خلق منطقة عازلة عميقة داخل الأراضي اللبنانية.
هذا الاتساع في بنك الأهداف يطرح تساؤلات حول حدود العملية العسكرية، خاصة مع استهداف مناطق بعيدة نسبيًا عن خطوط المواجهة التقليدية، الأمر الذي يعزز المخاوف من تحول العمليات إلى حرب شاملة.
المدنيون في قلب العاصفة.. نزوح واسع وانهيار متسارع
في موازاة التصعيد العسكري، تتفاقم الأزمة الإنسانية بوتيرة متسارعة. فقد أدى القصف المكثف إلى نزوح أكثر من مليون شخص من منازلهم، في واحدة من أكبر موجات النزوح التي يشهدها لبنان منذ عقود، هؤلاء النازحون يواجهون ظروفًا معيشية صعبة، في ظل محدودية الموارد وغياب بنية تحتية قادرة على استيعاب هذا العدد الكبير.
كما أن التدمير الواسع للمنازل والبنى التحتية يعني أن عودة السكان إلى مناطقهم قد لا تكون ممكنة في المدى القريب، ما يهدد بتحول النزوح إلى أزمة طويلة الأمد، هذا الواقع يضع ضغطًا هائلاً على الدولة اللبنانية، التي تعاني أصلاً من أزمة اقتصادية حادة منذ عام 2019.
وتتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار القصف إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية داخل لبنان، خاصة في ظل الجدل القائم حول دور حزب الله في جر البلاد إلى هذا الصراع، كما أن استهداف البنية التحتية، بما في ذلك الجسور وشبكات النقل، يعطل حركة الإمدادات ويزيد من صعوبة إيصال المساعدات.
بينما تحاول الحكومة اللبنانية، بقيادة نواف سلام وجوزاف عون، احتواء التداعيات، عبر الدعوة إلى وقف التصعيد والسعي لإعادة تفعيل المسار الدبلوماسي. إلا أن هذه الجهود تصطدم بتعقيدات ميدانية وسياسية، تجعل من الصعب تحقيق اختراق سريع.

