يدخل العراق في مرحلة حرجة من تاريخه المعاصر، حيث لم تعد التحديات تقتصر على محاربة الإرهاب أو بناء الاقتصاد، بل تجاوزت ذلك إلى صراع بنيوي حول “هوية الدولة” وقرارها السيادي المنفرد.
إن ظاهرة الفصائل المسلحة التي تعلن ولاءها العقيدي والسياسي لمرجعيات خارج الحدود الوطنية لم تعد مجرد مشكلة أمنية محلية، بل تحولت إلى معضلة جيوسياسية تربط مصير بغداد بمسارات دمشق وبيروت وطهران.
هذا الارتهان العقائدي جعل من الجغرافيا العراقية ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، مما أفقد الدولة قدرتها على ممارسة سيادتها الكاملة، وجعل القرار العسكري والسياسي رهينة لتوازنات القوى الإقليمية التي لا تضع المصلحة الوطنية العراقية في قائمة أولوياتها، بل تعتبر العراق مجرد حلقة في “محور المقاومة” الممتد عبر المتوسط.
تلاشي الحدود وتصدير الصراعات عبر الفصائل
إن الخطورة الكبرى في سلوك الفصائل الولائية تكمن في قدرتها على تجاوز الحدود الوطنية العراقية تحت مبررات عقائدية، مما يضع الدولة العراقية في حرج ديبلوماسي وقانوني أمام المجتمع الدولي.
فعندما تنخرط هذه الفصائل في الصراع السوري أو تقدم الدعم لمجموعات مسلحة في لبنان واليمن، فإنها تفرض على العراق واقعًا سياسيًا لم يختاره شعبه عبر مؤسساته الدستورية.
هذا التمدد “العابر للحدود” يعني عمليًا سقوط مفهوم “السيادة الوطنية” بمفهومها الكلاسيكي، حيث تصبح الدولة عاجزة عن ضبط تحركات تشكيلات مسلحة تتقاضى رواتبها من ميزانية الدولة وتأتمر بأوامر خارجية.
إن هذا الخلل البنيوي أدى إلى إضعاف المؤسسة العسكرية الرسمية وخلق حالة من “الازدواجية السلطوية” التي تجعل العالم ينظر إلى العراق كدولة تفتقر للسيطرة الفعلية على أراضيها وقرارها السيادي.
الكلفة السياسية والاقتصادية لعزلة بغداد الإقليمية
لا تتوقف خسائر الارتهان العقائدي عند الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتضرب عمق الاقتصاد العراقي المنهك أصلاً بسبب سنوات الحروب والفساد.
إن ارتباط الفصائل بالأجندة الإيرانية وضع العراق تحت مجهر العقوبات الدولية، وحرمه من بناء شراكات اقتصادية حقيقية مع محيطه العربي والعمق الدولي.
المستثمر الأجنبي يهرب من بيئة تسيطر عليها الميليشيات التي تملك “مكاتب اقتصادية” تفرض الإتاوات وتتحكم في المنافذ الحدودية، مما يخلق اقتصادًا موازيًا يستنزف ثروات البلاد لصالح تمويل العمليات العسكرية الخارجية، وإن هذه “السيادة المجتزأة” جعلت العراق ساحة للتوتر الدائم، وهو ما يعني بقاءه بعيدًا عن مسارات التنمية والاعمار، ورهينًا لتقلبات أسعار النفط التي لا تذهب عوائدها لبناء البنية التحتية، بل تتبخر في دهاليز الفساد المحمي بقوة السلاح.
تحدي استعادة الهيبة ومستقبل الدولة الوطنية
إن السؤال المركزي الذي يواجه العراقيين اليوم هو: هل يمكن بناء دولة حقيقية في ظل وجود جيشين وقرارين؟
إن استعادة السيادة تتطلب مشروعًا وطنيًا يتجاوز الانتماءات الفرعية ويؤمن بأن مصلحة العراق تبدأ وتنتهي داخل حدوده المعترف بها دوليًا، وإن كلفة الارتهان العقائدي باتت أثقل من أن يتحملها الشعب العراقي الذي يطمح للعيش في دولة طبيعية تحترم جيرانها وتفرض احترامها عليهم، وإن فك الارتباط بين الفصائل المسلحة والأجندات الخارجية هو الممر الإلزامي لأي إصلاح سياسي أو اقتصادي حقيقي.
وبدون حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز دور المؤسسات الأمنية الرسمية، سيبقى العراق يدور في فلك الأزمات الإقليمية، وسيبقى قراره السياسي مشتتًا بين عواصم المنطقة، مما يهدد بتفكك النسيج الوطني ورهن مستقبل الأجيال القادمة لصراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

