ذات صلة

جمع

القدس والضفة تحت النار.. هل تنجح دماء غزة في توحيد الساحات الفلسطينية مجددًا؟

تعيش الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية والقدس المحتلة...

اجتماع باكستاني رباعي.. تحرك إقليمي لكبح التصعيد في الشرق الأوسط

أعلنت باكستان استضافة اجتماع رباعي يضم وزراء خارجية كل...

القدس والضفة تحت النار.. هل تنجح دماء غزة في توحيد الساحات الفلسطينية مجددًا؟

تعيش الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية والقدس المحتلة حالة من الغليان غير المسبوق، حيث لم تعد الاعتداءات الإسرائيلية مجرد حوادث عابرة، بل تحولت إلى حرب استنزاف شاملة تستهدف الوجود الفلسطيني في جوهره.

إن المشهد الراهن، الذي يتزامن مع حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، يشي بأن الانفجار الكبير بات مسألة وقت لا أكثر، في ظل إصرار حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة على تنفيذ خطة “الحسم” في الضفة والقدس.

هذا الواقع الأليم، المتمثل في الاقتحامات اليومية والاغتيالات الممنهجة وتوسيع المستوطنات بشكل جنوني، أعاد إلى الأذهان روح “الانتفاضة الشاملة” التي لم تغب يومًا عن وجدان الشعب الفلسطيني، لكنها اليوم تكتسي طابعًا أكثر تنظيمًا وتصميمًا على مواجهة مشروع التهجير والاقتلاع الذي تتبناه المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.

سياسة الخنق في القدس ومخططات التهويد المتسارعة

تتصدر القدس المحتلة مشهد المواجهة، حيث يتعرض المقدسيون لحملة هي الأشرس منذ عقود، تهدف إلى عزل المدينة عن محيطها الفلسطيني وتغيير واقعها الديموغرافي والجغرافي بقوة السلاح.

إن الحصار المفروض على المسجد الأقصى المبارك، وتقييد حرية العبادة، بالتوازي مع هدم المنازل المتسارع في أحياء سلوان والشيخ جراح، خلق حالة من الاحتقان الشعبي التي بدأت تترجم إلى عمليات مقاومة فردية ومنظمة.

الاحتلال الإسرائيلي يراهن على كسر إرادة المقدسيين عبر العقوبات الجماعية، إلا أن النتائج الميدانية تثبت عكس ذلك تمامًا، فالقدس كانت ولا تزال المحرك الأساسي لأي انتفاضة فلسطينية، وجرائم الاحتلال فيها لا تؤدي إلا إلى تعميق فكرة “وحدة الساحات” وربط مصير العاصمة بمصير غزة والضفة في مواجهة وجودية لا تقبل القسمة على اثنين.

الضفة الغربية كساحة حرب واستراتيجية “كي الوعي” الفاشلة

في الضفة الغربية، انتقل جيش الاحتلال من مرحلة “المداهمات المحدودة” إلى مرحلة “العمليات العسكرية الواسعة” التي تحاكي في وحشيتها ما يحدث في قطاع غزة، خاصة في مخيمات جنين وطولكرم ونابلس.

هذه السياسة التي تهدف إلى “كي الوعي” الفلسطيني وتدمير البنية التحتية للمقاومة، لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، بل على العكس، ساهمت في اتساع رقعة المواجهة وانخراط فئات جديدة من الشباب الفلسطيني في العمل الوطني الميداني.

إن تدمير الشوارع وشبكات المياه والكهرباء في مخيمات الشمال الفلسطيني لم يزد السكان إلا إصرارًا على الالتفاف حول خيار المقاومة، مما يضع الاحتلال في مأزق أمني وتاريخي، حيث تتحول كل مدينة وقرية ومخيم إلى بؤرة اشتباك دائمة تستنزف قدرات الجيش الإسرائيلي وتشتت جهوده العسكرية على جبهات متعددة.

تداعيات الانهيار الاقتصادي وتغول إرهاب المستوطنين

لا يمكن قراءة المشهد في الضفة والقدس بمعزل عن الحرب الاقتصادية الشعواء التي تشنها حكومة الاحتلال عبر احتجاز أموال المقاصة ومنع العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم، مما دفع بعشرات الآلاف من العائلات إلى حافة الفقر والاحتياج.

هذا الضغط الاقتصادي، الممزوج بتغول إرهاب المستوطنين الذين باتوا يشكلون ميليشيات مسلحة محمية من الجيش تهاجم القرى وتحرق المحاصيل، خلق بيئة مثالية لانفجار شعبي شامل لا يمكن احتواؤه بالوسائل الأمنية التقليدية.

إن تغييب الأفق السياسي، واستمرار الاحتلال في تقويض أركان الحياة اليومية للفلسطينيين، جعل من خيار “الانتفاضة الشاملة” ليس فقط خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية للدفاع عن النفس والأرض والمقدسات أمام مشروع استيطاني يرفض الاعتراف بأدنى الحقوق الفلسطينية.

مستقبل المواجهة وفرص ولادة “الانتفاضة الثالثة”

إن المعطيات الميدانية والسياسية تشير بوضوح إلى أن فلسطين مقبلة على مرحلة من التصعيد الكبير الذي قد يفضي إلى انتفاضة عارمة تتجاوز في زخمها انتفاضتي 1987 و2000، وإن الدماء النازفة في غزة، والعدوان المستمر في الضفة والقدس، وحّد الوجدان الفلسطيني خلف مطلب واحد وهو التخلص من الاحتلال وجرائمه.

السؤال لم يعد “هل ستندلع الانتفاضة؟”، بل “متى ستصل إلى ذروتها؟” وكيف سيتعامل المجتمع الدولي مع شعب يقرر الدفاع عن بقائه في وجه آلة قتل لا تتوقف؟

إن السيادة الفلسطينية التي يحاول الاحتلال طمسها تحت ركام المنازل المهدمة، تولد من جديد في أزقة القدس وجبال الضفة، مؤكدة أن روح العمل الوطني الفلسطيني ما تزال نابضة بالثورة، وأن الفجر القادم سيكتب بمداد الصمود الذي لم تكسره ترسانة الاحتلال مهما بلغت قوتها.