دخلت الدولة اللبنانية مرحلة سياسية وتاريخية غير مسبوقة بصدور القرار الجريء القاضي بطرد السفير الإيراني في بيروت، محمد رضا شيباني، واستدعاء السفير اللبناني من طهران، في خطوة تمثل “قصة الطرد الكبير” التي تهدف بالأساس إلى محاولة يائسة وشجاعة في آن واحد لتحييد لبنان عن صراعات المحور الإيراني التي استنزفت مقدراته لسنوات طويلة.
ويأتي هذا القرار في ظل مناخ إقليمي متفجر، حيث شعرت الحكومة اللبنانية بأن استمرار الغطاء الدبلوماسي والسياسي للتحركات الإيرانية على أراضيها بات يشكل خطرًا وجوديًا يهدد ما تبقى من بنية الدولة التحتية وسلمها الأهلي، خاصة مع إصرار طهران على استخدام الجغرافيا اللبنانية كمنصة لإرسال رسائل عسكرية وإقليمية لا تخدم المصلحة الوطنية اللبنانية العليا.
إن هذا التحول الجذري في السياسة الخارجية لبيروت يعكس رغبة حقيقية في الخروج من نفق “وحدة الساحات” والعودة إلى كنف الشرعية الدولية والعربية كدولة مستقلة تملك قرارها السيادي بعيدًا عن أي إملاءات خارجية.
دوافع “الانتفاضة الدبلوماسية” وأزمة الوصاية الإيرانية
تتعدد الدوافع التي أدت إلى انفجار الأزمة الدبلوماسية بين بيروت وطهران، إلا أن جوهر المشكلة يكمن في شعور الدولة اللبنانية بأنها فقدت الحد الأدنى من السيطرة على قراري السلم والحرب لصالح أجندات عابرة للحدود.
فمنذ أشهر، بدأت التصريحات الإيرانية تأخذ طابعًا وصائيًا فجًا، حيث تعاملت طهران مع لبنان كساحة نفوذ خالصة، وهو ما ترجمه السفير المطرود من خلال تحركات وتصريحات تجاوزت الأعراف الدبلوماسية المرعية بين الدول المستقلة.
وترى مصادر، أن “قصة الطرد الكبير” لم تكن وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات من الاستياء الحكومي والشعبي من استخدام لبنان كدرع بشري لحماية مصالح إقليمية بعيدة كل البعد عن هموم المواطن اللبناني الذي يعاني من ويلات النزوح والدمار، لذا، جاء القرار كصرخة سيادية تهدف لترسيم حدود واضحة بين “الدولة اللبنانية” وبين “محور المقاومة”، في محاولة لإثبات أن بيروت ليست عاصمة تابعة، بل هي مركز قرار مستقل يسعى لحماية شعبه أولاً.
تحديات الحياد وإمكانية النجاح في الانفصال عن المحور
يبقى السؤال الجوهري والمحوري، هل ينجح لبنان فعليًا في تحييد نفسه عن صراعات المحور الإيراني بعد هذه الخطوة؟ إن الواقع الميداني يشير إلى تحديات جسيمة، حيث إن النفوذ الإيراني في لبنان ليس مجرد تمثيل دبلوماسي يمكن إنهاؤه بمرسوم، بل هو تغلغل عضوي وعسكري ومؤسساتي يمثله “حزب الله” الذي يعتبر الركيزة الأساسية لهذا المحور.
ومع ذلك، فإن طرد السفير يمثل “نزع الشرعية الرسمية” عن هذا النفوذ، مما يضع القوى الحليفة لإيران في مواجهة مباشرة مع منطق الدولة والقانون الدولي.
إن نجاح لبنان في هذا المسار يعتمد بشكل أساسي على قدرة الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية على ملء الفراغ السيادي، وعلى مدى جدية المجتمع الدولي في توفير “مظلة حماية” للدولة اللبنانية تكافئ جرأتها الدبلوماسية، لمنع تحول لبنان إلى ساحة انتقام إيرانية ردًا على هذا الطرد التاريخي.
الآثار الإقليمية والدولية لمرحلة ما بعد السفير
على الصعيد الإقليمي والدولي، تفتح “قصة الطرد الكبير” الباب أمام إعادة تموضع لبنان في محيطه العربي، حيث قوبلت الخطوة بترحيب صامت من عواصم عربية كانت تنتظر من بيروت موقفًا حازمًا تجاه التدخلات الخارجية.
دوليًا، تعزز هذه الخطوة من موقف لبنان في المفاوضات المتعلقة بتنفيذ القرار الدولي 1701، إذ تظهر الحكومة اللبنانية كطرف جاد يسعى لبسط سلطته على كامل أراضيه دون شريك أو وصي.
إن القطيعة مع طهران، وإن كانت محفوفة بالمخاطر الأمنية، إلا أنها تمنح لبنان “هوية سياسية” جديدة وصالحة للتسويق في المحافل الدولية، باعتباره بلدًا يسعى للسلام والاستقرار بعيدًا عن لغة الصواريخ والميليشيات.
هذه الهوية الجديدة قد تكون هي المفتاح لجذب المساعدات وإعادة الإعمار، بشرط أن يتبع هذه الخطوة الدبلوماسية خطوات ميدانية تكرس سيادة القانون وتنهي حالة “ازدواجية السلاح”.
البحث عن استقلال حقيقي وسط العواصف
تمثل قصة الطرد الكبير فصلاً جديدًا من فصول البحث اللبناني عن الاستقلال الحقيقي، وهي مغامرة محسوبة تهدف إلى وضع لبنان على خارطة الحياد الإيجابي.
إن النجاح في تحييد لبنان عن صراعات المحور الإيراني ليس عملية تجميلية، بل هي جراحة استراتيجية مؤلمة وضرورية لاستعادة كينونة الدولة وإذا ما استطاعت القوى الوطنية اللبنانية استثمار هذا الزخم الدبلوماسي لبناء إجماع داخلي حول “لبنان أولاً”، فإن هذه الخطوة ستكون حجر الزاوية في بناء جمهورية جديدة لا تخضع لإملاءات الخارج ولا تدفع أثمان حروب الآخرين.
إن الرهان اليوم هو على “النفس الطويل” للدولة اللبنانية في مواجهة الضغوط المتوقعة، وعلى قدرة الشعب اللبناني على الالتفاف حول مؤسساته الشرعية لضمان ألا يكون طرد السفير مجرد حدث عابر، بل بداية لنهضة سيادية شاملة.

