تكشف الحرب المستمرة في إيران عن تأثيرات مالية عميقة تتجاوز ساحات القتال، حيث امتدت آثارها إلى الأسواق العالمية لتضع أدوات الدين السيادي تحت ضغط غير مسبوق.
السندات الحكومية، التي كانت تاريخيًا ملاذًا للاستقرار، تواجه اليوم تقلبات حادة بفعل صدمة أسعار الطاقة وإعادة تسعير المخاطر بشكل واسع.
صدمة الطاقة وتأثيرها على الأسواق
أدت التطورات الأخيرة إلى اضطرابات ملموسة في سوق السندات البريطانية والأوروبية، حيث تحولت تقلبات أسعار النفط إلى موجات ضغط قوية على المالية العامة، ورفعت تكاليف الاقتراض للحكومات والشركات على حد سواء.
تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” وصف هذه التغيرات بأنها إنذار مبكر لتحويل صدمات السلع الأساسية إلى تأثير مباشر على سوق الدين.
تسببت القفزات المفاجئة في أسعار النفط والغاز في اصطدام توقعات المستثمرين مع الواقع، خاصة بعد أن توقعت صناديق التحوط استمرار انخفاض الفائدة، فيما أعاد ارتفاع أسعار الطاقة التضخم إلى واجهة الأسواق العالمية.
تقلبات حادة في السندات البريطانية
شهدت سندات الحكومة البريطانية الأسبوع الماضي تقلبات غير مسبوقة، حيث ارتفعت عوائد السندات لأجل 10 سنوات بنحو 13 نقطة أساس لتصل إلى 4.871٪ قبل أن تتراجع لاحقًا.
وارتفعت عوائد السندات لأجل عامين بنحو 39 نقطة أساس، مسجلة أكبر ارتفاع منذ سبتمبر 2022، في مؤشر على إعادة تسعير المستثمرين لتوقعاتهم تجاه أسعار الفائدة.
الحرب والتضخم: معادلة مركبة
يقول ميشال صليبي، كبير محللي الأسواق في شركة FXPro: “تأثير الحروب على سوق السندات عميق ومركب، إذ يتفاعل التضخم مع السياسات النقدية وشهية المخاطر لدى المستثمرين”.
ويضيف: أن الحروب تمر بثلاث مراحل رئيسية: صدمة أولية تدفع الأسعار للارتفاع، تليها مرحلة تضخم مرتفع تسبب هبوط الأسعار، ثم مرحلة تمويل حكومي تزيد الضغوط على السوق.
ارتفاع أسعار النفط في الشرق الأوسط نتيجة الحرب أدى إلى ضغوط تضخمية قوية، أجبرت البنوك المركزية على التريث في خفض الفائدة، وهو ما انعكس سلبًا على عوائد السندات.
كما أن زيادة الإنفاق العسكري عبر إصدار سندات جديدة زادت المعروض، ما ضغط هبوطيًا على الأسعار ورفع العوائد.
أوروبا تواجه “العاصفة المثالية”
السندات السيادية الأوروبية لم تسلم من التأثير، إذ دفعت المخاوف التضخمية البنوك المركزية إلى الإشارة لمسار جديد لأسعار الفائدة؛ ما أدى إلى قفزات حادة في العوائد. بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي أبقيا أسعار الفائدة دون تغيير، بينما ارتفعت عوائد السندات البريطانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى لها منذ عام، وسط استمرار الضغوط من أسعار الطاقة المرتفعة.
استراتيجيات المستثمرين في ظل الأزمة
ويؤكد خبراء، أن المستثمرين بدأوا في التخلص من السندات لحماية القيمة الحقيقية لأموالهم، ما تسبب في موجة بيع جماعي وارتفاع حاد في العوائد، بينما عادت السندات المرتبطة بالتضخم والذهب كأدوات تحوط فعالة.
ويضيف أن السوق يواجه صراعًا بين مخاطر تباطؤ النمو وارتفاع التضخم، وأن مستقبل سوق السندات مرهون بمدة استمرار الصراع في المنطقة.
في حال احتواء الأزمة سريعًا، قد تهدأ الضغوط التضخمية ويستأنف خفض الفائدة، أما استمرار الأزمة وإغلاق مضيق هرمز لفترة أطول فقد يؤدي إلى ركود تضخمي عالمي، ما يحافظ على ارتفاع العوائد لفترة ممتدة، ويستوجب من المستثمرين تقليل الانكشاف على السندات طويلة الأجل والتركيز على السندات متوسطة الأجل عالية الجودة مع استراتيجيات تحوط مناسبة.

