ذات صلة

جمع

جرائم ضد الملاحة.. كيف تهدد ميليشيا الحوثي الملاحة الدولية عبر استغلال موانئ اليمن؟

كشفت التقارير الميدانية والاستخباراتية الأخيرة تصاعد خطير في وتيرة...

ركود تضخمي يضرب الأسواق.. كيف غيّر الغلاء بوصلة التسوق للعائلات العراقية؟

دخلت الأسواق العراقية نفقًا مظلمًا من "الركود التضخمي"، حيث...

نهاية المناورة.. لماذا فشل “براجماتيو” الإخوان في الهروب من مقصلة التصنيف الدولي؟

شكّل قرار الولايات المتحدة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين...

أمن بغداد في مهب الريح.. هل تقوى الحكومة على لجم “فتيل الصراعات” المنفلت؟

يواجه العراق في مارس تحديًا أمنيًا وسياديًا هو الأخطر...

ركود تضخمي يضرب الأسواق.. كيف غيّر الغلاء بوصلة التسوق للعائلات العراقية؟

دخلت الأسواق العراقية نفقًا مظلمًا من “الركود التضخمي”، حيث تزامنت قفزات الأسعار مع تراجع حاد في القدرة الشرائية للمواطنين قبيل عيد الفطر.

وتكشف المؤشرات الميدانية عن ارتفاع تكاليف “كسوة العيد” ومستلزمات الضيافة بنسبة تراوحت بين 20% و30% مقارنة بالعام الماضي، هذا الارتفاع لم يكن ناتجًا عن زيادة الطلب، بل جاء مدفوعًا بتذبذب سعر صرف الدينار في السوق الموازي وتطبيق نظام “الأسيكودا” الجديد الذي رفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة.

ويرى خبراء اقتصاد، أن هذا الوضع خلق حالة من “الانفصام” في الأسواق؛ فبينما تكتظ الشوارع التجارية في بغداد والمحافظات بالمواطنين، تظل المبيعات الفعلية في أدنى مستوياتها، حيث يكتفي أغلب المتسوقين بـ “الفرجة” أو شراء القطع الأساسية فقط، مما وضع التجار في مأزق “الكساد تحت وطأة الغلاء”.

وأجبر هذا الواقع الاقتصادي المرير العائلات العراقية على تغيير “بوصلة التسوق” واعتماد استراتيجيات تقشفية لم تكن معهودة في مواسم الفرح السابقة، فقد تخلت الكثير من الأسر عن شراء الماركات العالمية أو الملابس المستوردة باهظة الثمن، واتجهت نحو الأسواق الشعبية ومحلات “البالة” (الملابس المستعملة) التي شهدت رواجًا غير مسبوق في مارس 2026، وعلى صعيد الحلويات، التي تعد ركيزة أساسية في العيد، اضطرت ربات البيوت إلى تقليص الكميات أو العودة لصناعة “الكليجة” المنزلية بمكونات اقتصادية، بعد أن تجاوز سعر الكيلو الواحد من الحلويات الجاهزة في المناطق الراقية حاجز الـ 40 ألف دينار، مما جعل “صينية العيد” تعكس عمق الأزمة المعيشية التي تنهش في جيوب الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.

الإجراءات الحكومية ومستقبل القوة الشرائية

في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي وتحريك عجلة السوق، أعلنت وزارة التجارة العراقية عن “إجراءات عاجلة” لتعزيز الأمن الغذائي ومراقبة الأسعار، شملت طرح كميات إضافية من مواد السلة الغذائية بأسعار مدعومة وتسيير فرق رقابية جوالة لمحاسبة التجار المتلاعبين.

ومع ذلك، ترى مصادر أن هذه الخطوات تظل “مسكنات مؤقتة” لا تعالج جذر المشكلة المتمثل في اعتماد الاقتصاد العراقي المفرط على الاستيراد وتأثره المباشر بتقلبات أسعار النفط والتوترات الإقليمية، فالمواطن العراقي في عام 2026 بات ينفق قرابة 50% من دخله الشهري على الغذاء والاحتياجات الأساسية، مما لا يترك مجالاً للرفاهية أو التسوق الموسمي الواسع، وهو ما ينذر بركود طويل الأمد قد يخرج صغار التجار من الدورة الاقتصادية.

إن مشهد العيد في العراق هذا العام يطرح تساؤلاً جوهريًا حول قدرة الدولة على حماية الفئات الهشة في ظل نظام عالمي مضطرب؛ فبينما تحاول الحكومة زيادة الإيرادات غير النفطية عبر الضرائب والرسوم، يجد المواطن نفسه الضحية الأولى لهذه السياسات التي “تلتهم فرحة العيد”، ومع استمرار الركود في أسواق الملابس والأجهزة الكهربائية والحلويات.

يبدو أن بوصلة التسوق العراقية قد استقرت عند “الحد الأدنى للبقاء”، بانتظار إصلاحات بنيوية حقيقية تعيد للدينار قيمته وللمواطن قدرته على الاحتفال دون خوف من “إفلاس” ميزانية الشهر القادم، وتظل الأيام الأخيرة من شهر مارس اختبارًا حقيقيًا لمدى صمود النسيج الاجتماعي أمام ضغوط الغلاء المتسارعة.