مع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، تتسع دوائر الاضطراب في المنطقة، وهو ما تراه جماعة الإخوان الإرهابية فرصة لإعادة التموضع بعد سنوات من التراجع.
فالأزمات الكبرى تخلق بيئات رخوة سياسيًا وأمنيًا، تسمح بظهور محاولات إعادة التموضع عبر أدوات متعددة، مستفيدة من انشغال الدول بملفات أكثر إلحاحًا.
إعادة تدوير الخطاب.. من السياسة إلى “المظلومية”
تحاول الجماعة إعادة تقديم نفسها عبر خطاب جديد يركز على “المظلومية” وربطها بالأحداث الإقليمية، مستغلة مشاعر القلق الشعبي من الحرب، كما أن هذا الخطاب يسعى إلى كسب تعاطف شرائح متضررة من الأزمات الاقتصادية أو السياسية، خاصة في دول تمر بمرحلة انتقالية أو تعاني من ضغوط داخلية متزايدة.
تظهر تحركات الجماعة بشكل أوضح في دول بعينها، حيث تراهن على هشاشة المشهد الداخلي.
ففي تونس، تحاول الاستفادة من حالة الاستقطاب السياسي والأزمات الاقتصادية لإعادة تنشيط شبكاتها القديمة، ولو بشكل غير مباشر.
أما في ليبيا، فتظل البيئة المنقسمة سياسيًا ساحة مفتوحة لمحاولات التغلغل عبر تحالفات مرنة.
وفي السودان، حيث تعقيدات المشهد الأمني، تسعى الجماعة إلى إعادة ترتيب صفوفها مستفيدة من الفوضى والصراع الداخلي.
كما تحاول الحفاظ على حضورها الإعلامي والسياسي في تركيا، التي شكلت لسنوات منصة لخطابها، إلى جانب نشاطها في بعض الدوائر داخل قطر عبر أدوات إعلامية وتأثير غير مباشر.
التسلل عبر الفضاء الرقمي والإعلام البديل
في ظل القيود المفروضة على تحركاتها، كثفت الجماعة نشاطها عبر الإنترنت، معتمدة على منصات التواصل لنشر روايات موازية للأحداث، وتوظيف الحرب المرتبطة بإيران كأداة لإثارة الجدل وإعادة طرح خطابها.
ويهدف هذا النشاط إلى خلق حالة من التشكيك في الروايات الرسمية، وبناء قواعد دعم جديدة.
رهان على إرباك الأولويات الإقليمية
تعتمد الجماعة على فكرة أن انشغال الحكومات بالأزمات الكبرى، مثل أمن الطاقة أو التصعيد العسكري، قد يمنحها هامش حركة أوسع. فكلما تعقدت الأوضاع الإقليمية، زادت فرص العمل في “المناطق الرمادية”، سواء عبر شبكات محلية أو تحالفات مؤقتة.
تكتيك “الظهور من خلف الستار”
بدلًا من المواجهة المباشرة، تلجأ الجماعة إلى دعم شخصيات أو منصات غير معلنة الارتباط بها، بما يسمح لها بالتأثير دون تحمل تكلفة المواجهة. هذا الأسلوب يمنحها مرونة، لكنه يعكس أيضًا محدودية قدرتها على العودة العلنية.
رغم هذه التحركات، تواجه الجماعة عقبات كبيرة، من بينها تراجع شعبيتها، وتشديد الرقابة عليها، إضافة إلى تغير المزاج العام في العديد من الدول. كما أن التجارب السابقة أسهمت في زيادة الحذر تجاه خطابها.
بين استغلال الأزمة وحدود التأثير
كما تبدو محاولات جماعة الإخوان أقرب إلى تحركات تكتيكية لاقتناص الفرص، أكثر من كونها عودة استراتيجية مكتملة. فالأزمات، بما فيها التصعيد مع إيران، قد توفر نوافذ مؤقتة، لكنها لا تضمن استعادة النفوذ في مشهد إقليمي تغيرت قواعده بشكل جذري.

