ذات صلة

جمع

رصاص الغدر في جنوب لبنان.. هل بدأت “حرب الرسائل” ضد قوات “يونيفيل”؟

شهدت منطقة جنوب لبنان تطورًا ميدانيًا خطيرًا وضع قوات...

تفكك الجبهة الداخلية.. انقسامات حادة تضرب تيار الإخوان عقب التصنيف الدولي

أحدث قرار الولايات المتحدة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين...

معضلة العجز والديون.. كيف يغذي تراجع الدينار التونسي نيران التضخم الداخلي؟

تواجه تونس في الربع الأول من عام 2026 تحديات اقتصادية مركبة وضعت البنك المركزي وصناع القرار في مواجهة مباشرة مع معضلة العجز المزدوج والديون المتراكمة.

حيث بات تراجع قيمة الدينار التونسي المحرك الأساسي لنيران التضخم الداخلي الذي التهم الأخضر واليابسة في القدرة الشرائية للمواطنين، إن هذا التدهور في قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية الرئيسية كاليورو والدولار لم يعد مجرد رقم في شاشات التداول، بل تحول إلى عبء يومي يلمسه التونسيون في أسعار المواد الغذائية والأدوية والوقود.

وتعود جذور هذه الأزمة إلى اختلال ميزان المدفوعات وتوسع العجز التجاري بشكل غير مسبوق نتيجة الاعتماد المفرط على الاستيراد لتغطية الاحتياجات الأساسية من الحبوب والطاقة، ومع كل هبوط في قيمة الدينار تزداد كلفة فاتورة الاستيراد آليًا، مما يدفع الشركات والموردين إلى تحميل هذه الزيادات للمستهلك النهائي، وهو ما يُعرف اقتصادياً بظاهرة “التضخم المستورد” التي جعلت من السيطرة على الأسعار مهمة شبه مستحيلة في ظل غياب سياسات نقدية قادرة على تثبيت سعر الصرف أو توفير احتياطات كافية من العملة الصعبة لمواجهة تقلبات السوق العالمية.

إن الارتباط الوثيق بين تراجع العملة وارتفاع معدلات التضخم في تونس يعكس هشاشة الهيكل الإنتاجي المحلي الذي فشل في خلق بدائل وطنية للسلع المستوردة، مما جعل السوق التونسية مكشوفة تمامًا أمام الصدمات الخارجية، فالمواد الأولية التي تعتمد عليها الصناعات التحويلية والمدخلات الفلاحية يتم استيرادها بالعملة الصعبة.

ومع تآكل قيمة الدينار ترتفع كلفة الإنتاج محليًا، مما يؤدي إلى موجات متتالية من الغلاء تشمل حتى المنتجات التي كان يُعتقد أنها محمية وطنيًا، هذا الوضع أدى إلى دخول البلاد في حلقة مفرغة، حيث يطالب الموظفون بزيادات في الأجور لمواجهة الغلاء، مما يزيد من الكتلة النقدية والضغط على الاستهلاك، في حين يضطر البنك المركزي لرفع نسبة الفائدة المديرية لمحاربة التضخم، وهو ما يخنق الاستثمار ويزيد من كلفة قروض الشركات، لتنتهي الدورة بمزيد من التباطؤ الاقتصادي وتراجع القيمة الشرائية، مما يهدد السلم الاجتماعي ويضع الدولة أمام خيارات صعبة بين الاستمرار في سياسات التقشف المؤلمة أو المخاطرة بانهيار كامل للمؤشرات المالية الكلية.

أعباء الديون الخارجية وتآكل احتياطيات العملة

تمثل المديونية الخارجية لتونس أحد أبرز العوامل التي تضغط بقوة على قيمة الدينار وتغذي التضخم بشكل غير مباشر، حيث تلتهم خدمة الدين الخارجي جزءًا كبيرًا من الموارد الذاتية للبلاد من العملة الصعبة، مما يقلل من قدرة الدولة على التدخل في سوق الصرف لدعم العملة الوطنية.

وفي ظل اشتراطات المانحين الدوليين وصعوبة الوصول إلى الأسواق المالية العالمية بفوائد معقولة، وجدت تونس نفسها مضطرة لاستنزاف احتياطياتها النقدية لسداد أقساط القروض، وهذا النزيف المستمر يضعف الثقة في الدينار ويشجع على المضاربات في السوق الموازية، مما يرفع من وتيرة التضخم النقدي، إن الديون السيادية لم تعد مجرد أرقام في ميزانية الدولة، بل أصبحت قيدًا يمنع الحكومة من تمويل برامج الدعم الاجتماعي بالشكل الكافي، بل ويجبرها أحيانًا على رفع الدعم عن مواد حيوية مثل المحروقات والكهرباء تنفيذًا لالتزامات دولية، وهو ما يصب الزيت على نار الأسعار المشتعلة أصلاً، ويجعل من المواطن البسيط الحلقة الأضعف في هذه المعادلة الاقتصادية المعقدة التي تتطلب إصلاحات جذرية تتجاوز الحلول الترقيعية المؤقتة.

وعلاوة على ذلك فإن العجز المزمن في الميزانية العامة للدولة يضطرها للاقتراض الداخلي من البنوك المحلية، وهو ما يقلص السيولة المتاحة لتمويل القطاع الخاص ويؤدي إلى ظاهرة “الازدحام” التي تعيق النمو الاقتصادي.

إن هذا المسار القانوني والمالي الذي تسلكه الدولة لتغطية عجزها يساهم في زيادة المعروض النقدي دون أن يقابله نمو حقيقي في الإنتاج، مما يؤدي بالضرورة إلى انخفاض قيمة العملة.

ويشير الخبراء إلى أن استمرار تراجع الدينار بهذا الشكل المتسارع في عام 2026 قد يدفع البلاد نحو سيناريوهات تضخمية مفرطة إذا لم يتم تفعيل خطة إنقاذ وطنية تركز على دفع الصادرات وتحفيز القطاعات المنتجة مثل الفلاحة والصناعات التصديرية، فبدون تدفقات مستدامة من العملة الصعبة بعيدًا عن القروض، سيظل الدينار التونسي رهينة للتقلبات الخارجية، وسيبقى التضخم هو “الضريبة الخفية” التي يدفعها المواطن من قوت يومه نتيجة اختلالات هيكلية تراكمت على مدار سنوات من سوء الإدارة المالية والاعتماد المفرط على التمويل الخارجي.

آفاق الإصلاح وتحديات استعادة القوة الشرائية

إن استعادة استقرار الدينار وكبح جماح التضخم في تونس تتطلب رؤية اقتصادية شاملة تنطلق من معالجة أسباب العجز التجاري وتطوير مسالك التوزيع التي تساهم في رفع الأسعار بشكل غير مبرر، ويجب على السلطات التونسية العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي توفر العملة الصعبة وتخلق فرص عمل حقيقية، بدلاً من الاعتماد الكلي على القروض التي تزيد من أعباء المديونية.

كما أن إصلاح المؤسسات العمومية التي تعاني من عجز مالي كبير يمثل خطوة ضرورية لتقليل الضغط على الميزانية العامة، إن معركة التضخم في عام 2026 لا يمكن كسبها بالأدوات النقدية وحدها، بل تتطلب تنسيقًا وثيقًا بين السياسة النقدية والسياسة المالية والسياسة التجارية، لضمان توفر السلع بأسعار معقولة وحماية الفئات الضعيفة من تداعيات انهيار العملة.

فالاستقرار الاجتماعي في تونس مرتبط بشكل عضوي بقدرة الدولة على توفير الأمن الغذائي والدوائي بأسعار تتناسب مع الدخول الحقيقية للمواطنين، وهو ما لن يتحقق إلا بوقف نزيف الدينار واستعادة الثقة في الاقتصاد الوطني عبر إصلاحات هيكلية جريئة تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.