ذات صلة

جمع

رصاص الغدر في جنوب لبنان.. هل بدأت “حرب الرسائل” ضد قوات “يونيفيل”؟

شهدت منطقة جنوب لبنان تطورًا ميدانيًا خطيرًا وضع قوات...

تفكك الجبهة الداخلية.. انقسامات حادة تضرب تيار الإخوان عقب التصنيف الدولي

أحدث قرار الولايات المتحدة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين...

رصاص الغدر في جنوب لبنان.. هل بدأت “حرب الرسائل” ضد قوات “يونيفيل”؟

شهدت منطقة جنوب لبنان تطورًا ميدانيًا خطيرًا وضع قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب (يونيفيل) في قلب دائرة الاستهداف المباشر، حيث تعرضت دوريات تابعة للبعثة الأممية لإطلاق نار مكثف من قبل “مجموعات مسلحة” مجهولة الهوية في مناطق متفرقة من القطاعين الأوسط والشرقي.

وتأتي هذه الاعتداءات في توقيت شديد الحساسية يشهد فيه الجنوب اللبناني توترات متصاعدة، مما يثير تساؤلات جوهرية حول هوية الجهات التي تسعى إلى جر القوات الدولية إلى مواجهة مباشرة على الأرض.

واعتبرت مصادر أن “رصاص الغدر” الذي استهدف القبعات الزرقاء لا يمكن فصله عن سياق “حرب الرسائل” السياسية والميدانية التي تحاول أطراف عدة تمريرها عبر الساحة اللبنانية، خاصة في ظل المطالبات الدولية المتكررة بتوسيع صلاحيات “يونيفيل” أو تشديد الرقابة على الحدود، مما يجعل من هذه القوات هدفًا سهلاً لمن يرغب في إرباك المشهد الأمني وبعث رسائل تحذيرية للقوى الدولية الفاعلة بأن استقرار الجنوب مرتبط بامتيازات ميدانية معينة لا يمكن المساس بها تحت أي ظرف من الظروف الدولية الراهنة.

إن تكرار حوادث الاحتكاك وإطلاق النار على آليات الأمم المتحدة يشير إلى تحول جذري في قواعد التعامل الميداني مع القبعات الزرقاء، فبعد سنوات من الهدوء النسبي والتعايش الحذر بين السكان المحليين والقوات الدولية، يبدو أن هناك قرارًا من جهات مسلحة غير رسمية ببدء مرحلة من التضييق الميداني المباشر.

وأكدت مصادر ميدانية، أن الرصاص الذي استهدف الدوريات اليوم لم يكن عشوائياً بل كان موجهًا بدقة نحو الأجزاء الحساسة من الآليات، مما ينم عن نية مبيتة لعرقلة المهام الرقابية التي تقوم بها “يونيفيل” في تنفيذ القرار الدولي رقم 1701، وهذا النوع من الاعتداءات يضع الحكومة اللبنانية في موقف محرج أمام المجتمع الدولي، حيث تقع على عاتق الدولة اللبنانية مسؤولية حماية القوات الدولية وضمان حرية حركتها بموجب الاتفاقيات الموقعة، إلا أن عجز الأجهزة الأمنية الرسمية عن ضبط تحركات هذه المجموعات المسلحة يزيد من تعقيد المشهد ويفتح الباب أمام احتمالات تدويل الأزمة بشكل أكبر أو حتى إعادة النظر في حجم وشكل الوجود الأممي في جنوب لبنان خلال الفترة القادمة.

دلالات التوقيت وأبعاد الرسائل السياسية

يرى المحللون السياسيون، أن توقيت استهداف قوات “يونيفيل” بالرصاص يحمل في طياته دلالات أعمق من مجرد كونه حادثًا أمنيًا عابرًا، فهو يأتي في ظل تجاذبات إقليمية حادة تتعلق بالملف النووي الإيراني والتوترات المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

حيث يُستخدم جنوب لبنان دائمًا كمنصة لتوجيه الرسائل العابرة للحدود، فتعريض القوات الدولية للخطر هو وسيلة للضغط على الدول المشاركة في هذه القوات، ومعظمها دول أوروبية فاعلة، لدفعها نحو اتخاذ مواقف سياسية أكثر ليونة في ملفات أخرى، أو لإجبارها على ممارسة ضغوط على إسرائيل لثنيها عن القيام بعمليات عسكرية معينة، ومن هنا تبرز فرضية أن المجموعات المسلحة التي تطلق الرصاص اليوم ليست سوى أدوات تنفيذية لسياسة أكبر تهدف إلى القول بأن “يونيفيل” لا تستطيع العمل بأمان دون غطاء سياسي محلي وإقليمي كامل، وأن أي محاولة لتغيير مهامها أو تحويلها إلى قوة تفتيش صارمة ستقابل برصاص مباشر يمنعها من أداء واجباتها.

وبالإضافة إلى البعد الإقليمي، هناك بعد محلي يتمثل في رغبة القوى المسلحة المحلية في إعادة رسم حدود نفوذها ميدانيًا، خاصة بعد التقارير التي تحدثت عن تركيب أجهزة مراقبة متطورة في بعض النقاط الحساسة بالجنوب.

إن استهداف الدوريات يهدف إلى خلق “مناطق محرمة” على القوات الدولية، حيث يُمنع عليها الدخول أو التصوير أو مراقبة التحركات المسلحة تحت ذريعة الاستفزاز أو مخالفة العادات المحلية.

وتساهم هذه الحوادث في خلق بيئة معادية لعمل القبعات الزرقاء، مما قد يدفع بعض الدول المساهمة بقواتها إلى التفكير في سحب جنودها خوفاً من تعرضهم للقتل في صراع ليس لهم فيه ناقة ولا جمل، وهذا هو الهدف النهائي لسياسة “حرب الرسائل”؛ تفريغ القرار 1701 من محتواه وجعل الوجود الدولي مجرد وجود رمزي بلا أنياب أو قدرة حقيقية على الرصد والتوثيق، مما يترك الساحة مفتوحة أمام المواجهات العسكرية المحتملة دون شهود دوليين.

مستقبل القرار 1701 وحصانة القبعات الزرقاء

مع استمرار هذه الاعتداءات المسلحة، يقف القرار الدولي رقم 1701 أمام أكبر تحدٍ منذ صدوره في عام 2006، حيث تآكلت هيبة القوات الدولية وأصبحت آلياتها هدفًا سهلاً للرصاص.

وتؤكد القيادة العامة لـ “يونيفيل” في بياناتها المتلاحقة، أن الاعتداء على جنود حفظ السلام يعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي، إلا أن هذه البيانات تظل بلا صدى حقيقي في غياب المحاسبة الفعلية للمعتدين، إن فقدان “يونيفيل” لحصانتها الميدانية يعني انهيار الخط الفاصل بين الحرب والسلم في الجنوب.

حيث أن وجود هذه القوات كان دائمًا يمثل صمام أمان يمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة، وإذا ما استمرت المجموعات المسلحة في استهدافها، فإن ذلك سيعطي المبرر للأطراف الأخرى للقيام بعمليات مضادة بحجة حماية أمنها في ظل فشل القوات الدولية في ضبط الوضع، مما يضع لبنان بكامله على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة نتيجة غياب التنسيق والالتزام بالاتفاقيات الدولية.