يواجه العراق معضلة بنيوية في إدارة قراره السيادي، حيث تبدو الحكومة في بغداد عاجزة بشكل متزايد عن كبح جماح التصعيد الميداني الذي حول البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، خاصة بين الولايات المتحدة وإيران.
إن محاولات الدبلوماسية العراقية لتبني سياسة “النأي بالنفس” قد اصطدمت بواقع ميداني تفرضه جماعات مسلحة وفصائل تعمل خارج إطار السيطرة المركزية الصارمة للدولة، مما جعل من الأراضي العراقية منطلقًا لرسائل نارية متبادلة لا تخدم المصالح الوطنية، هذا الانقسام في مركزية القرار العسكري أدى إلى تآكل هيبة الدولة أمام المجتمع الدولي.
حيث لم تعد البيانات الحكومية المنددة بالخروقات كافية لإقناع الأطراف المتصارعة بجدية الدولة في فرض سيادتها، ومع تزايد وتيرة الهجمات بالمسيرات والصواريخ التي تستهدف القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية، يجد العراق نفسه منساقًا نحو مواجهة شاملة قد لا يملك الأدوات الكافية لإدارتها أو إيقاف تداعياتها الكارثية على الاقتصاد والأمن القومي، مما يعزز فرضية أن “دبلوماسية النار” هي التي باتت ترسم ملامح المرحلة، وليس الحوار السياسي المتعثر في ردهات القصور الحكومية.
حروب الوكالة وتحول العراق إلى صندوق بريد للرسائل الأمريكية-الإيرانية
إن ما يشهده العراق اليوم ليس مجرد صراع محلي، بل هو امتداد لحرب الظل التي تتمدد في المنطقة، حيث فضلت واشنطن وطهران نقل معركتهما إلى الساحة العراقية لتجنب المواجهة المباشرة التي قد تشعل المنطقة بأكملها.
وفي عام 2026، أصبح العراق بمثابة “صندوق بريد” دامٍ؛ فكل ضربة تنفذها المسيرات التابعة للفصائل الموالية لإيران تُقابل برد جراحي أمريكي يستهدف مخازن سلاح أو قيادات ميدانية، والضحية الدائمة في هذه المعادلة هي الدولة العراقية ومؤسساتها الرسمية التي تكتفي بدور المتفرج أو “المُستنكر” بعد فوات الأوان.
إن فشل الحكومة في كبح جماح الفصائل المسلحة لا يعود فقط لضعف القدرات العسكرية، بل إلى التداخل العميق بين هذه القوى وبين مراكز القرار السياسي والمالي في البلاد، مما يجعل أي محاولة لفرض النظام بالقوة بمثابة انتحار سياسي قد يؤدي إلى حرب أهلية، هذا الوضع شجع الأطراف الخارجية على الاستمرار في استخدام الجغرافيا العراقية لتصفية حسابات تتعلق بالملف النووي أو النفوذ الإقليمي، دون أي اعتبار للقوانين الدولية التي تحرم استخدام أراضي الدول ذات السيادة في النزاعات المسلحة بين أطراف ثالثة.
فشل الوساطات الحكومية وتداعيات “الرد المتبادل” على الاستقرار الوطني
رغم الجهود الحثيثة التي بذلها رئيس الوزراء العراقي وفريقه الدبلوماسي في 2026 لتقريب وجهات النظر عبر مؤتمرات إقليمية وجولات مكوكية بين العواصم، إلا أن النتائج على الأرض ظلت مخيبة للآمال.
حيث يتبين أن لغة الميدان تسبق دائمًا لغة السياسة، إن عجز الحكومة عن فرض اتفاقية “قواعد اشتباك” واضحة تحمي الأراضي العراقية قد شجع الفصائل على تصعيد عملياتها العسكرية، وشجع واشنطن في المقابل على توسيع بنك أهدافها ليشمل مواقع في عمق المدن.
هذا التصعيد المتبادل أدى إلى شلل في قطاعات الاستثمار الأجنبي وتراجع كبير في الثقة بالسوق العراقية، فالشركات الكبرى باتت تخشى من استهداف مقراتها أو موظفيها في ظل غياب الحماية الحكومية الفعالة.
كما أن هذا الواقع ألقى بظلاله على تماسك القوات الأمنية الرسمية التي تجد نفسها أحيانًا في مواجهة مع “شركاء السلاح” الذين يمتلكون أجندات موازية، مما يجعل من فكرة “حصر السلاح بيد الدولة” مجرد شعار انتخابي بعيد المنال في ظل واقع تسيطر فيه المسيرات والمنصات الصاروخية على القرار الاستراتيجي في المناطق الحدودية والمدن الكبرى على حد سواء.
انسداد الأفق السياسي والسيناريوهات المخيفة لمستقبل الوجود الأمريكي
في ظل هذا الانسداد، يبرز التساؤل الملح حول مصير الوجود الأمريكي في العراق لعام 2026، فبينما تضغط الفصائل والكتل السياسية الموالية لإيران لإخراج القوات الأجنبية فورًا، ترى الحكومة في بغداد أن أي انسحاب غير مدروس قد يؤدي إلى انهيار أمني يسمح بعودة التنظيمات الإرهابية مثل “داعش” للظهور مرة أخرى.
هذا التباين في الرؤى جعل الحكومة العراقية في موقف دفاعي دائم، فهي لا تستطيع حماية القوات الأمريكية من الضربات، ولا تملك القدرة على إخراجها دون تفاهمات استراتيجية كبرى لم تنضج بعد، والنتيجة هي بقاء هذه القوات كأهداف سهلة، مما يستدعي ردودًا أمريكية عنيفة تزيد من غضب الشارع وتضع الحكومة في مأزق “الخيانة” أو “التبعية”.
إن غياب الرؤية الوطنية الموحدة لكيفية إدارة التواجد الأجنبي قد حول هذا الملف إلى فتيل اشتعال جاهز في أي لحظة، مما ينذر بتحول العراق من ساحة لتصفية الحسابات إلى ساحة لحرب إقليمية كبرى قد تبدأ بشرارة من قاعدة عسكرية في الأنبار أو هجمة مسيرة في بغداد، لتنتهي بانهيار كامل لمنظومة الأمن الإقليمي التي ما تزال هشة وغير قادرة على احتواء العراق في منظومتها المستقرة.
العراق بين مطرقة العقوبات الاقتصادية وسندان الانفلات الأمني
لا تقتصر تداعيات هذا التصعيد على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل خنق الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل كلي على إيرادات النفط وعلاقاته المصرفية الدولية، فواشنطن بدأت في 2026 تلوح باستخدام ورقة الدولار والعقوبات المالية ضد البنوك والشخصيات العراقية التي يشتبه في تورطها بتمويل الفصائل أو تسهيل عمليات تهريب الأموال لصالح طهران.
هذا الضغط الاقتصادي يضع الحكومة العراقية أمام خيار مرير؛ فإما الصدام المباشر مع القوى المسلحة النافذة لتنفيذ الاشتراطات الدولية، أو مواجهة انهيار العملة المحلية والمجاعة التي قد تنتج عن عزلة مالية دولية.
إن فقدان القدرة على التحكم في المشهد الميداني يعني بالضرورة فقدان القدرة على حماية القطاع المصرفي والتجاري، وهو ما يدركه خصوم بغداد جيدًا ويستخدمونه كأداة ضغط قوية.
وفي نهاية المطاف، يظل المواطن العراقي هو من يدفع ثمن “دبلوماسية النار” من قوت يومه وأمن عائلته، بينما تواصل القوى الكبرى استخدام الأراضي العراقية كمختبر لتجربة أحدث أسلحة المسيرات والذكاء الاصطناعي العسكري، بعيداً عن أراضيها، وفي ظل صمت حكومي يعكس أزمة عميقة في جوهر السيادة والقرار الوطني المستقل.

