أحدث قرار الولايات المتحدة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية، والذي دخل حيز التنفيذ رسميًا يوم الاثنين 16 مارس 2026، زلزالاً سياسيًا وتنظيميًا داخل أروقة التيار الإسلامي المرتبط بنظام الثلاثين من يونيو.
حيث بدأت ملامح تفكك الجبهة الداخلية للتنظيم تظهر بوضوح عبر انقسامات حادة واتهامات متبادلة بالفشل بين القيادات التاريخية والكوادر الشبابية والميدانية، وتأتي هذه التطورات في وقت حساس للغاية تزامن مع إعلان لجنة تفكيك نظام 1989 واسترداد الأموال العامة استئناف أعمالها لملاحقة الواجهات المالية والتنظيمية التي ظلت تعمل كـ “دولة عميقة” طوال السنوات الماضية.
وترى مصادر، أن هذا التصنيف الدولي لم يكن مجرد إجراء قانوني عابر، بل كان بمثابة “رصاصة الرحمة” على التماسك التنظيمي الذي حاول الإخوان الحفاظ عليه منذ سقوط نظام عمر البشير في 2019؛ مما أدى إلى دخول الجماعة في نفق مظلم من العزلة الدولية.
إن الانقسامات التي ضربت جسد التنظيم الإخواني في السودان لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتيجة تراكمات من الإخفاقات السياسية والميدانية التي بلغت ذروتها عقب صدور مذكرات التوقيف الدولية وتجميد الأرصدة والشركات العابرة للحدود التي تمثل الشريان المالي المغذي للفوضى.
حيث تشير التقارير الواردة من كواليس الاجتماعات السرية للقيادات إلى وجود صراع أجنحة محتدم بين تيار “الصقور” الذي يرى ضرورة الاستمرار في التحريض على الحرب لضمان البقاء، وتيار “البراجماتيين” الذي بدأ يفكر في الهروب من السفينة الغارقة أو عقد صفقات منفردة لتجنب الملاحقة القضائية الدولية.
وهذا التصدع في القيادة العليا انتقل بسرعة إلى القواعد التي وجدت نفسها في مواجهة مجتمع دولي يراقب كل تحركاتها ومشاريعها المالية، مما دفع الكثير من الكوادر الوسطى إلى إعلان تبرؤها من التنظيم أو الانسحاب الصامت من المشهد السياسي، وهو ما يؤكد أن سياسة “التمكين” التي بناها الإخوان على مدار ثلاثة عقود بدأت تنهار بشكل دراماتيكي تحت وطأة الضغط القانوني والمالي، تاركة وراءها هيكلاً تنظيميًا مهترئًا يفتقر إلى الرؤية الموحدة أو القدرة على المناورة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة التي لم تعد تقبل بوجود جماعات أيديولوجية متطرفة تشكل خطرًا على الأمن والسلم الدوليين.
تجفيف الشبكات المالية وتأثيرها على وقود الحرب
لا يمكن فهم حجم التفكك الداخلي للإخوان في السودان دون النظر إلى الانهيار الوشيك لإمبراطوريتهم المالية التي كانت تُدار عبر شبكات معقدة من الشركات الوهمية والمؤسسات الاقتصادية المتغلغلة في قطاعات الذهب والوقود والخدمات الأساسية، إذ يمثل قرار التصنيف الدولي أداة قانونية فعالة لتفعيل الرقابة المصرفية الصارمة وتتبع التحويلات المالية التي تستخدمها الجماعة في تمويل العمليات العسكرية وشراء الولاءات الميدانية.
ومع استئناف لجنة تفكيك التمكين لأعمالها، أصبح “الأخطبوط المالي” للإخوان تحت المجهر؛ مما أدى إلى شلل شبه كامل في قدرتهم على تحريك الأموال المنهوبة أو الوصول إلى الأصول المصادرة التي كانت تمثل “الخزان الاستراتيجي” للصراع.
وهذا الحصار المالي أدى بدوره إلى اتساع دائرة الرفض الداخلي للحرب بين العناصر النفعية التي كانت ترتبط بالتنظيم من أجل المصالح المادية، فبمجرد جفاف منابع التمويل، بدأ هؤلاء في البحث عن مظلات بديلة، مما أفقد الإخوان قدرتهم على حشد الشارع أو التأثير في موازين القوى الميدانية، وهو ما يثبت أن الحرب في نظر الكثير من قيادات الجماعة كانت مجرد “استثمار مالي وسياسي” لاستعادة النفوذ، وحين فشل هذا الاستثمار، بدأ التنظيم في التآكل من الداخل وتحول إلى عبء حتى على حلفائه في الداخل الذين باتوا يخشون تبعات الارتباط بجماعة مصنفة إرهابياً.
مستقبل السودان وانعكاسات العزل الدولي
إن التفكك الداخلي والعزلة الدولية التي يواجهها تيار الإخوان اليوم تمثل فرصة تاريخية لاستعادة السودان وبناء مؤسساته على أسس وطنية مهنية بعيدة عن الولاءات الحزبية الضيقة التي دمرت الخدمة المدنية والمؤسسة العسكرية طوال ثلاثين عامًا.
فخروج الإخوان من المشهد السياسي والأمني يعني بالضرورة تراجع حدة الاستقطاب وبدء مرحلة جديدة من الحوار الوطني الحقيقي الذي يستهدف بناء “جمهورية جديدة” تحترم كرامة الإنسان وتصون ثروات البلاد.
إن العالم اليوم، عبر هذا التصنيف الصارم، يبعث برسالة واضحة لكل القوى السياسية والعسكرية في السودان بأن زمن “الإرهاب السياسي” والتمكين قد ولى، وأن الطريق الوحيد لرفع المعاناة عن الشعب السوداني يمر عبر تفكيك بنية النظام السابق بالكامل وتجفيف منابعه الفكرية والمالية، وهذا التوجه يحظى بدعم شعبي واسع من السودانيين الذين خرجوا في ثورة ديسمبر 2019 وطالبوا بمدنية الدولة وعدالة القضاء، وهو ما تفعله الآن لجنة تفكيك التمكين التي تمتلك وثائق ومعلومات هائلة حول فساد التنظيم، مما يجعل من محاكمة رموز الإخوان سياسيًا وشعبيًا وقانونيًا واجبًا وطنيًا لا يمكن التنازل عنه لضمان عدم تكرار مآسي الماضي.

