يواجه جنوب لبنان أزمة وجودية لا تقتصر على الجانب العسكري الميداني فحسب، بل تمتد لتضرب في عمق النسيج الاجتماعي الذي طالما ميز القرى والبلدات الجنوبية، حيث تسببت أنشطة حزب الله العسكرية وتحويله للمناطق المأهولة إلى ثكنات ومخازن سلاح في خلق حالة من الانقسام الحاد والنفور الشعبي الصامت.
إن سياسة فرض “الأمر الواقع” بقوة السلاح أدت إلى تآكل الثقة بين المكونات الاجتماعية المختلفة، إذ يجد المواطن الجنوبي نفسه مضطرًا للتعايش مع خطر الموت الذي يجلبه تواجد العناصر المسلحة بين المنازل والمدارس، مما تسبب في شرخ عميق بين بيئة الحزب وبين العائلات التي ترفض تحويل قراها إلى أهداف عسكرية.
هذا التدمير المتعمد للنسيج الاجتماعي لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة لسنوات من تغليب مصلحة المحور الإقليمي على المصلحة الوطنية اللبنانية، مما جعل من الجنوب ساحة لتنفيذ أجندات لا تعبر عن تطلعات أهله في الأمن والاستقرار، بل تستخدمهم كوقود لحروب بالوكالة تأكل الأخضر واليابس.
استراتيجية الدروع البشرية وتحويل القرى إلى حقول تجارب عسكرية
تعد جريمة استخدام المدنيين كدروع بشرية من أبرز الانتهاكات التي يمارسها حزب الله في عام 2026، حيث تعمدت وحداته العسكرية زراعة منصات إطلاق الصواريخ وحفر الأنفاق في قلب الأحياء السكنية المكتظة في بلدان مثل الخيام، وعيتا الشعب، وميس الجبل، وغيرها، مما جعل هذه المناطق عرضة للقصف التدميري المباشر.
إن هذا السلوك الإجرامي يعكس استهانة كاملة بأرواح اللبنانيين، حيث يتم استغلال الممتلكات الخاصة وتحويل أقبية المنازل إلى مخازن للذخيرة دون علم أصحابها في كثير من الأحيان، وهو ما أدى إلى تدمير آلاف الوحدات السكنية وفقدان الأهالي لممتلكاتهم وجنى أعمارهم.
كما أن الإصرار على القتال من داخل القرى يمنع عودة النازحين ويحول دون ترميم ما دمرته الحرب، مما يكرس حالة من اليأس الاجتماعي ويدفع بالشباب والكوادر المتعلمة إلى الهجرة النهائية، تاركين الجنوب فريسة لميليشيات لا ترى في الأرض سوى منصة لإطلاق النيران وفي الناس سوى غطاء لعملياتها الاستخباراتية.
قمع المعارضة الداخلية وتعميق الفوارق الطبقية والسياسية
لم تتوقف انتهاكات حزب الله عند حدود العمل العسكري، بل امتدت لتشمل قمع أي صوت معارض داخل الطائفة الشيعية أو من المكونات المسيحية والدرزية في الجنوب التي ترفض الانخراط في مشروعه الحربي، وشهد عام 2026 تصاعدًا في عمليات الترهيب والملاحقة بحق الناشطين الذين طالبوا بضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، مما تسبب في خلق جو من الرعب الفكري والسياسي.
وبالتوازي مع ذلك، ساهمت اقتصاديات الحرب التي يديرها الحزب في خلق فوارق طبقية شاسعة، حيث تتركز الأموال والمساعدات في يد المنتسبين إليه والموالين لخطه، بينما يعاني بقية سكان الجنوب من الفقر المدقع وغياب الخدمات الأساسية نتيجة تدمير البنية التحتية.
هذا التمييز في تقديم الرعاية والتعويضات زاد من حدة الحقد الاجتماعي وشجع على التفكك الأسري والقبلي، حيث باتت الولاءات تُباع وتُشترى مقابل لقمة العيش، مما أفقد المجتمع الجنوبي تماسكه التاريخي وحوله إلى مجتمع ممزق تسيطر عليه غريزة البقاء والخوف من بطش السلطة غير الشرعية.
تدمير القطاع الزراعي والبيئي كجريمة في حق الأجيال القادمة
من الجرائم الصامتة التي يرتكبها حزب الله بحق جنوب لبنان هي التدمير الممنهج للقطاع الزراعي والبيئة الجبلية التي تشكل هوية المنطقة ومصدر رزقها الأساسي، فمن خلال استغلال الغابات والمساحات الخضراء للتغطية على التحركات العسكرية وإخفاء منصات الصواريخ، تسبب الحزب في تعريض هذه المساحات لحرائق هائلة ناتجة عن القصف ورد الفعل العسكري؛ مما أدى إلى خسارة ملايين الأشجار المعمرة وتلوث التربة بمخلفات الأسلحة الكيماوية والتقليدية.
إن فقدان المزارع الجنوبي لأرضه يعني فقدانه لارتباطه التاريخي بالوطن، وهو ما يخدم خطط التهجير الدائم وتغيير الديموغرافيا السياسية للمنطقة.
وفي عام 2026، باتت مساحات شاسعة من الجنوب غير قابلة للزراعة لعقود قادمة، مما يضرب الأمن الغذائي اللبناني في مقتل ويدفع نحو مزيد من الاعتماد على المعونات الخارجية التي يتحكم الحزب في توزيعها، مما يحكم القبضة على رقاب المواطنين ويحولهم من منتجين إلى تابعين ينتظرون ما يجود به “أمير الحرب”.
المسؤولية الدولية وضرورة حماية النسيج الاجتماعي اللبناني
إن ما يشهده جنوب لبنان اليوم هو صرخة استغاثة لمجتمع يتم تفكيكه عمدًا لصالح قوى عادية للحدود، مما يتطلب تدخلاً دوليًا حازماً لا يكتفي بالجانب العسكري والسياسي، بل يمتد لحماية النسيج الاجتماعي المهدد بالزوال.
إن الانتهاكات التي وثقها المراقبون في عام 2026 تؤكد أن حزب الله بات عبئًا ثقيلاً على كاهل اللبنانيين بجميع طوائفهم، وأن الاستمرار في تغطية جرائمه تحت مسمى “المقاومة” لم يعد ينطلي على أحد في الداخل اللبناني.
حيث تعالت الأصوات المطالبة بتطبيق القرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 1701، لضمان خلو الجنوب من السلاح والمسلحين وعودة الدولة اللبنانية لبسط سيادتها وتوفير الأمن لمواطنيها، إن استعادة التماسك الاجتماعي تبدأ من نزع فتيل الحرب الدائمة وإعادة الاعتبار لمنطق الدولة والمواطنة، بعيدًا عن منطق الميليشيا الذي لم يجلب للجنوب سوى الدمار والفقر والشتات.
وتظل مسؤولية إنقاذ ما تبقى من هذا النسيج أمانة في عنق القوى الوطنية اللبنانية والمجتمع الدولي قبل أن يتحول الجنوب إلى بقعة جغرافية خالية من أهلها وتاريخها.

