ذات صلة

جمع

“حرب المحاكم”.. كيف تحولت الصراعات السياسية إلى أروقة القضاء الليبي؟

دخلت الدولة الليبية نفقًا مظلمًا جديدًا بعد أن انتقلت...

كيف تعرقل الانتهاكات المستمرة مسار التعافي في سوريا؟

أكد التقرير الأممي الأخير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية...

جرائم الإخوان والبرهان في السودان.. سجل أسود من القمع والتمكين ينتهي بتصنيف الإرهاب

تمثل جماعة الإخوان في السودان، عبر واجهتها السياسية "الحركة...

إسرائيل تدمر طائرة كبار الشخصيات في مطار مهر أباد بطهران

أعلن الجيش الإسرائيلي، الإثنين، عن تنفيذ ضربة استهدفت مطار...

جرائم الإخوان والبرهان في السودان.. سجل أسود من القمع والتمكين ينتهي بتصنيف الإرهاب

تمثل جماعة الإخوان في السودان، عبر واجهتها السياسية “الحركة الإسلامية”، الحجر الأساس في كافة الأزمات الهيكلية التي ضربت الدولة السودانية على مدار العقود الثلاثة الماضية، حيث بدأت جرائمهم منذ انقلاب عام 1989 الذي وأد التجربة الديمقراطية وأدخل البلاد في نفق مظلم من الحروب الأهلية والتمكين الأيديولوجي.

وعمل التنظيم على تفكيك مؤسسات الدولة القومية لصالح عناصر الولاء التنظيمي، فيما عُرف بـ “الصالح العام”، مما أدى إلى انهيار الخدمة المدنية وتفشي الفساد المؤسسي، ولم تقتصر جرائمهم على الجانب الإداري، بل امتدت لتشمل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في مناطق النزاعات مثل دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

حيث استُخدمت مليشيات تابعة للتنظيم في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وظل هذا النهج الإقصائي هو المحرك الأساسي لسياساتهم حتى سقوط رأس النظام في 2019، إلا أن أذرعهم الخفية داخل المؤسسة العسكرية ظلت تعمل على تقويض أي محاولة للانتقال المدني الديمقراطي.

تحالف البرهان والإخوان وتقويض الثورة

بعد اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، ظن الشعب السوداني أن عهد القمع قد ولى، إلا أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان دخل في تحالف مستتر ومعقد مع فلول النظام البائد لإجهاض مكتسبات الثورة.

وتجسدت أولى هذه الجرائم الكبرى في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019، والتي تشير أصابع الاتهام فيها إلى تنسيق رفيع المستوى بين قيادات عسكرية وعناصر أمنية إخوانية لكسر إرادة الثوار بالرصاص والترهيب.

واستمر هذا التحالف في النمو عبر تعطيل عمل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، وهي اللجنة التي كانت تهدف لاسترداد أموال الشعب المنهوبة من يد التنظيم، وصولاً إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي قاده البرهان، والذي مثّل “قبلة الحياة” لفلول الإخوان للعودة إلى المشهد السياسي وتولي مناصب قيادية في الدولة مرة أخرى؛ مما أعاد إنتاج نظام القمع القديم بوجوه عسكرية جديدة، ضاربًا بعرض الحائط طموحات ملايين السودانيين في الحرية والسلام والعدالة.

إشعال حرب أبريل والدمار الشامل

تعد جريمة إشعال الحرب في 15 أبريل 2023 هي الذروة في سجل جرائم الإخوان والبرهان، حيث تشير التقارير الاستخباراتية والميدانية إلى أن قيادات إخوانية داخل وخارج الجيش هي من ضغطت باتجاه الخيار العسكري لمنع التوقيع على الاتفاق الإطاري الذي كان سيخرجهم من المشهد نهائيًا، ومنذ اندلاع القتال.

تورطت قوات البرهان وكتائب الإخوان المسلحة، مثل “كتيبة البراء بن مالك”، في قصف عشوائي للمناطق السكنية، وتدمير البنية التحتية المتهالكة أصلاً، وتهجير أكثر من 10 ملايين سوداني داخليًا وخارجيًا، وتحولت العاصمة الخرطوم وعدد من المدن الكبرى إلى ساحات حرب مفتوحة تُرتكب فيها أبشع أنواع الانتهاكات، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية للناشطين والمتطوعين في غرف الطوارئ، ومنع وصول المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة، مما تسبب في مجاعة حقيقية تهدد ملايين الأرواح في ظل صمت وتواطؤ من القيادة العسكرية المسيطر عليها من قبل أيديولوجية التنظيم الدولي للإخوان.

التحالف الإيراني وتهديد الأمن الإقليمي

في محاولة يائسة للبقاء في السلطة، قاد البرهان وسلطة بورتسودان، وبتحريض مباشر من الإخوان، توجهًا خطيرًا نحو تعزيز التعاون العسكري مع إيران، وهو ما اعتبره المجتمع الدولي مقامرة بالأمن القومي السوداني واستقرار منطقة البحر الأحمر.

وشمل هذا التحالف صفقات تسليح مشبوهة تضمنت طائرات مسيّرة وتقنيات تجسس، مقابل منح طهران موطئ قدم على السواحل السودانية، وهو ما دفع الولايات المتحدة في مارس 2026 إلى اتخاذ قرارها التاريخي بتصنيف إخوان السودان تنظيمًا إرهابيًا دوليًا، ويعد هذا القرار اعترافًا عالميًا بجرائم التنظيم ودوره التخريبي في تقويض الأمن والسلم الدوليين.

كما يضع البرهان في مأزق قانوني وأخلاقي، إذ يثبت بالدليل القاطع أن شريكه في السلطة والقتال هو تنظيم محظور ومصنف إرهابيًا، مما يسقط أي شرعية يدعيها النظام في بورتسودان ويجعل قادته عرضة للملاحقة الدولية كداعمين للإرهاب العالمي.

إن تصنيف إخوان السودان كجماعة إرهابية في عام 2026 يفتح الباب واسعًا أمام مسارات المحاسبة القانونية والجنائية ليس فقط للتنظيم، بل لكل من تحالف معه أو قدم له غطاءً عسكريًا وسياسيًا.

ويطالب المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بضرورة فتح تحقيقات دولية مستقلة في جرائم الحرب التي ارتكبت منذ انقلاب البرهان وحتى اللحظة، وتجميد كافة الأصول المالية التي يديرها الإخوان لصالح تمويل العمليات العسكرية والكتائب المتطرفة.

إن الطريق نحو استعادة الدولة السودانية يبدأ بفك الارتباط العضوي بين الجيش وبين العقيدة الأيديولوجية الإخوانية، وتشكيل جبهة وطنية مدنية قادرة على قيادة البلاد نحو السلام، مع ضمان عدم إشراك أي عناصر متورطة في سفك الدماء أو قمع الحريات في أي تسوية مستقبلية، فالسودان لا يمكن أن ينهض من كبوته طالما بقيت آلة القمع الإخوانية والقيادة العسكرية المتحالفة معها في سدة الحكم، واليوم، ومع تزايد الضغوط الدولية، يبدو أن ساعة الحساب قد اقتربت لإنصاف ضحايا عقود من الاستبداد والدمار.