ذات صلة

جمع

صراع المربعات الأمنية.. كيف تؤثر المليشيات على القرار السيادي في لبنان؟

يعيش لبنان حالة من السيولة الأمنية والسياسية التي أعادت...

جرائم بلا حدود.. كيف تحوّل السودان إلى حقل تجارب لأسلحة الدمار الشامل للبرهان؟

تتصاعد في الآونة الأخيرة تقارير حقوقية وميدانية تثير القلق...

من الدعم إلى الرفع.. هل تضطر تونس لتطبيق “السيناريو الأسود” لأسعار المحروقات؟

يواجه الاقتصاد التونسي تحديات هيكلية غير مسبوقة نتيجة الارتفاع...

من الدعم إلى الرفع.. هل تضطر تونس لتطبيق “السيناريو الأسود” لأسعار المحروقات؟

يواجه الاقتصاد التونسي تحديات هيكلية غير مسبوقة نتيجة الارتفاع المستمر والمفاجئ في أسعار النفط العالمية، وهو ما يضع موازنة الدولة في حالة من الاستنزاف المستمر نظرًا لاعتماد تونس الكبير على استيراد حاجياتها الطاقية من الخارج.

إن كل زيادة في سعر برميل النفط تتجاوز التقديرات الموضوعة في قانون المالية تعني مباشرة اتساعاً في فجوة العجز المالي، وهو ما يضطر الحكومة للبحث عن تمويلات إضافية في سوق دولية تتسم بارتفاع كلفة الاقتراض.

وقالت مصادر: إن هذا الضغط المسلط على المالية العمومية لا يتوقف عند حدود الأرقام المحاسبية، بل يمتد ليشمل تآكل احتياطيات البلاد من العملة الصعبة، مما يضعف من قدرة البنك المركزي التونسي على حماية قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية.

وفي ظل هذه المعطيات، تصبح خيارات الدولة محدودة للغاية بين الاستمرار في سياسة الدعم التي ترهق الخزينة، أو الانطلاق نحو “السيناريو الأسود” المتمثل في الرفع التدريجي أو الكلي للدعم، وهو قرار يحمل في طياته تبعات اجتماعية واقتصادية قد لا تحتملها الطبقات الوسطى والفقيرة في الوقت الراهن.

ضغوط المؤسسات الدولية وإصلاح منظومة دعم المحروقات

تمثل شروط صندوق النقد الدولي والمؤسسات المانحة عنصرًا ضاغطًا إضافيًا على صانع القرار في تونس، حيث تصر هذه الجهات على ضرورة “توجيه الدعم لمستحقيه” وإلغاء الدعم العيني عن المحروقات كشرط أساسي لتقديم قروض جديدة أو منح شهادات ثقة للمستثمرين.

وترى هذه المؤسسات أن منظومة الدعم الحالية تشوبها اختلالات كبرى وتستفيد منها الفئات الميسورة والقطاعات الصناعية الكبرى أكثر من الفئات الهشة، مما يجعل إصلاحها ضرورة لا مفر منها لاستعادة التوازنات المالية الكبرى.

ومع ذلك، تجد الحكومة التونسية نفسها في مأزق سياسي بامتياز، إذ أن أي تحريك في أسعار الوقود سيؤدي إلى سلسلة من الارتفاعات في أسعار المواد الأساسية والخدمات، مما يغذي معدلات التضخم التي بلغت مستويات قياسية.

إن الانتقال من مرحلة “الدعم” إلى مرحلة “الرفع” يتطلب بيئة اقتصادية مستقرة وشبكات أمان اجتماعي قوية، وهي عناصر ما تزال محل جدل ونقاش واسع بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات الحقوقية التي تحذر من انفجار اجتماعي وشيك.

السيناريوهات الثلاثة الصعبة

يتمثل السيناريو الأول، والذي تحاول الحكومة التونسية اعتماده حاليًا، في تفعيل آلية “التعديل الآلي” لأسعار المحروقات، بحيث يتم إقرار زيادات طفيفة وبشكل دوري لامتصاص تقلبات السوق العالمية دون إحداث صدمة كبرى في الأسعار المحلية.

ورغم أن هذا المسار يبدو أقل حدة من الناحية السياسية، إلا أن نتائجه على المدى المتوسط تظل محدودة في ظل القفزات الكبيرة لأسعار الخام، حيث تظل الزيادات المحلية متأخرة دائمًا عن سد الفجوة بين سعر الكلفة وسعر البيع.

ويؤدي هذا السيناريو إلى حالة من عدم اليقين لدى الفاعلين الاقتصاديين، خاصة في قطاعي النقل واللوجستيك، حيث يضطرون لتغيير تعريفاتهم بشكل مستمر، مما ينعكس سلباً على القدرة التنافسية للشركات التونسية.

كما أن هذا التعديل المتكرر يضع المواطن في حالة ترقب دائم، ويزيد من الضغوط النفسية والمعيشية، خاصة مع تراجع القوة الشرائية للدينار وفشل الأجور في مواكبة نسب التضخم المرتفعة الناجمة عن هذه الزيادات المتلاحقة.

السيناريو الثاني: الرفع الشامل للدعم والتحول إلى الأسعار العالمية

يعد هذا السيناريو هو “السيناريو الأسود” الذي تخشاه كافة الأوساط الشعبية، وهو المتمثل في الرفع الكامل للدعم عن المحروقات وترك الأسعار تتحدد بناءً على تقلبات السوق العالمية وصرف العملة.

إن تطبيق هذا التوجه يعني قفزة صاروخية في أسعار البنزين والديزل، وهو ما سيؤدي فورًا إلى توقف العديد من الأنشطة الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة التي لن تستطيع تحمل كلفة الطاقة.

ومن الناحية الاجتماعية، قد يؤدي هذا القرار إلى موجات من الاحتجاجات العارمة، حيث يرتبط سعر الوقود في تونس مباشرة بأسعار النقل العمومي والخاص، وأسعار المواد الغذائية التي تنقل من الحقول إلى المدن.

ورغم أن هذا الخيار قد يوفر مليارات الدينارات للخزينة العامة ويحل أزمة العجز بشكل جذري، إلا أن كلفته السياسية والأمنية باهظة جدًا، وقد تؤدي إلى حالة من الانكماش الاقتصادي الحاد وتشريد آلاف العائلات التي تعيش على هامش القطاعات المتأثرة مباشرة بأسعار الطاقة.

التداعيات الاجتماعية والقطاعية

لا تتوقف تداعيات أزمة النفط عند حدود محطات الوقود، بل تمتد لتضرب عمق القطاعات الإنتاجية في تونس، وعلى رأسها قطاع الفلاحة والنقل.

فالمزارع التونسي الذي يعتمد بشكل أساسي على المحروقات لتشغيل آلات الري ومعدات الحراثة، سيجد نفسه مضطرًا لرفع أسعار المنتجات الفلاحية أو التوقف عن الإنتاج في حال تجاوزت التكاليف هامش الربح، مما يهدد الأمن الغذائي للبلاد.

وبالمثل، فإن قطاع النقل، سواء كان نقل الأشخاص أو البضائع، سيعاني من أزمة خانقة قد تؤدي إلى شلل في الحركة التجارية بين المدن، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى نقص في تزويد الأسواق بالسلع الأساسية.

إن استمرار هذا النزيف الطاقي دون حلول استراتيجية بديلة، مثل الاستثمار المكثف في الطاقة المتجددة أو تطوير منظومة النقل الحديدي والكهربائي، سيجعل الاقتصاد التونسي رهينة للتقلبات الجيوسياسية العالمية التي لا تملك تونس أي سلطة عليها، مما يزيد من هشاشة الدولة أمام الأزمات الخارجية.

مستقبل الدينار التونسي وقدرة البنك المركزي على المواجهة

تمثل فاتورة الطاقة الثقب الأكبر الذي يتسرب منه النقد الأجنبي إلى الخارج، وهو ما يضع البنك المركزي التونسي في وضع لا يحسد عليه لمحاولة الحفاظ على استقرار الدينار.

فكلما ارتفعت أسعار النفط، زاد الطلب على الدولار واليورو لتغطية فواتير الاستيراد؛ مما يؤدي إلى ضغوط بيعية على العملة المحلية.

إن تراجع قيمة الدينار لا يفاقم أزمة الوقود فحسب، بل يزيد من كلفة الدين الخارجي وتكلفة استيراد كافة المواد الأخرى، بما في ذلك الأدوية والمواد الغذائية الأساسية، مما يدخل البلاد في “حلقة مفرغة” من التضخم المستورد وإن الحل لمواجهة هذا السيناريو لا يكمن فقط في تعديل الأسعار، بل في وضع رؤية استراتيجية شاملة للسيادة الطاقية تعتمد على تنويع المصادر وتقليص التبعية للوقود الأحفوري، وهو مسار يتطلب سنوات من العمل والاستثمار الضخم، وهو ما لا تملكه تونس في ظل أزمتها المالية الراهنة.