ذات صلة

جمع

الظلام الرقمي في إيران.. سلاح النظام لعزل الشعب عن تحذيرات الإخلاء الدولية

دخلت إيران في الأسبوع الثالث من "الظلام الرقمي" الشامل،...

الطوق الملتهب.. كيف تخطط إسرائيل لتحويل جنوب لبنان إلى “غزة ثانية”؟

تتصاعد التحذيرات الدولية والميدانية من نية جيش الاحتلال الإسرائيلي...

تحت مجهر النار.. كيف يتم استنزاف الحرس الثوري في معقل دارة بضربات نوعية؟

دخلت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع النظام الإيراني مرحلة حاسمة...

“الذهب الأسود” المفقود.. كيف يواجه العراق شبح الإفلاس في ظل تعثر مبيعات النفط؟

أثارت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، حالة...

الطوق الملتهب.. كيف تخطط إسرائيل لتحويل جنوب لبنان إلى “غزة ثانية”؟

تتصاعد التحذيرات الدولية والميدانية من نية جيش الاحتلال الإسرائيلي البدء في عملية عسكرية برية واسعة النطاق في جنوب لبنان، تحت شعار صريح أطلقه قادة عسكريون في تل أبيب: “سنكرر سيناريو غزة”.

إن هذا التهديد لا يمثل مجرد حرب نفسية، بل يعكس تحولاً جذريًا في العقيدة القتالية الإسرائيلية التي باتت تعتمد بشكل كلي على استراتيجية “الأرض المحروقة” وتدمير البنى التحتية بشكل كامل لشل قدرة المليشيات والقوى المسلحة على المقاومة أو استخدام الأرض كنقاط انطلاق للهجمات.

إن التخطيط الإسرائيلي لتحويل جنوب لبنان إلى “غزة ثانية” يعني بالضرورة اتباع سياسة الحصار المطبق، والقصف السجادي للمناطق السكنية، والتحرك البري عبر محاور متعددة تهدف إلى عزل القرى والبلدات اللبنانية عن بعضها البعض، مما يخلق مناطق عازلة خالية من السكان تمامًا، وهو ما يضع السيادة اللبنانية وحياة المدنيين أمام اختبار هو الأصعب منذ عقود طويلة، في ظل مجتمع دولي يراقب بحذر خشية انزلاق المنطقة برمتها نحو حرب إقليمية شاملة لا تبقي ولا تذر.

ويرى المحللون العسكريون، أن إسرائيل تسعى من خلال هذا الغزو البري “واسع النطاق” إلى القضاء على شبكة الأنفاق والتحصينات التي تم بناؤها على مدار سنوات طويلة في تضاريس الجنوب الوعرة، معتبرة أن تجربة قطاع غزة علمتها أن التفوق الجوي وحده لا يكفي لحسم المعارك مع القوى غير النظامية.

لذا، فإن المخطط الحالي يتضمن دفع فرق عسكرية مدرعة مدعومة بغطاء ناري كثيف لاجتياز الخط الأزرق والوصول إلى نقاط استراتيجية خلف نهر الليطاني، مع تعمد تدمير القرى الحدودية لتحويلها إلى مناطق غير قابلة للحياة، تمامًا كما حدث في شمال وجنوب قطاع غزة.

هذا التوجه يعكس رغبة إسرائيلية في تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي على الحدود الشمالية، وفرض ترتيبات أمنية جديدة بقوة السلاح، بعيدًا عن المسارات الدبلوماسية التي يرى قادة الاحتلال أنها لم تعد توفر الأمان الكافي لسكان المستوطنات الشمالية الذين يرفضون العودة دون تدمير القوة العسكرية المقابلة لهم خلف الحدود.

لبنان بين فكي الكماشة العسكرية

في المقابل، فإن محاولة تحويل جنوب لبنان إلى “غزة ثانية” تصطدم بواقع ميداني وعسكري مختلف تمامًا عن طبيعة قطاع غزة المحاصر؛ فالجغرافيا اللبنانية تتميز بالجبال والوديان السحيقة التي تمنح القوات المدافعة ميزة طبيعية كبرى، فضلاً عن انفتاح الجبهة اللبنانية على خطوط إمداد إقليمية تجعل من الحصار المطبق أمرًا صعب المنال.

ومع ذلك، فإن إسرائيل تراهن في مخططها لعام 2026 على التطور التقني الهائل في الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي لاصطياد الأهداف المتحركة وتدمير منصات إطلاق الصواريخ قبل استخدامها، وهو ما يمهد الطريق للقوات البرية للتقدم بحد أدنى من الخسائر البشرية.

إن “الطوق الملتهب” الذي تسعى إسرائيل لرسمه حول لبنان يهدف إلى خنق الدولة اللبنانية سياسيًا واقتصاديًا عبر ضرب الموانئ والمطارات والطرق الدولية، مما يضع الحكومة في بيروت أمام ضغوط داخلية وخارجية هائلة للقبول بشروط تل أبيب، وهو ما يمثل ذروة الضغط العسكري الذي يسبق عادة المفاوضات الكبرى.

وتتزايد المخاوف من أن يؤدي الغزو البري “واسع النطاق” إلى موجات نزوح بشرية بمليونية نحو الشمال اللبناني وبيروت، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية، ليتحول لبنان بأكمله إلى ساحة للفوضى والنزاعات الإنسانية.

إن إسرائيل، عبر تبنيها لـ “نموذج غزة”، تدرك أن التكلفة الأخلاقية والقانونية دوليًا ستكون باهظة، لكنها تبدو مستعدة لتحمل تلك التبعات مقابل ما تسميه “تحقيق الأمن المستدام”.

هذا الإصرار الإسرائيلي يدفع القوى المسلحة في لبنان إلى تبني استراتيجيات دفاعية تعتمد على استدراج القوات الإسرائيلية إلى حرب عصابات واستنزاف داخل القرى والمدن، مما قد يحول الغزو البري من عملية خاطفة إلى مستنقع طويل الأمد يمتص قدرات الجيش الإسرائيلي ويهدد استقرار الجبهة الداخلية الإسرائيلية عبر الصواريخ البعيدة المدى التي ستنهمر على المركز والجنوب، مما يجعل من سيناريو “غزة ثانية” سيفًا ذو حدين قد يرتد أثره على الجميع.