ذات صلة

جمع

قطيعة واشنطن وبيروت.. هل دخل لبنان نفق العزلة الدولية المظلم؟

دخلت العلاقات اللبنانية الأمريكية مرحلة غير مسبوقة من الجمود...

دبلوماسية تحت النار.. هل تسبق الإجراءات الأمنية العراقية قرار إغلاق السفارات الأجنبية؟

يمر العراق بمنعطف أمني وسياسي هو الأخطر من نوعه منذ سنوات، حيث تصاعدت وتيرة الهجمات الصاروخية التي تستهدف المنطقة الخضراء والبعثات الدبلوماسية، مما وضع الحكومة العراقية أمام تحدٍ وجودي يتعلق بقدرتها على فرض هيبة الدولة وحماية ضيوفها من الدبلوماسيين والبعثات الدولية.

إن استمرار تساقط الصواريخ على مقار السفارات لا يمثل مجرد خرق أمني عابر، بل هو رسالة تحدٍ واضحة للمؤسسة العسكرية والأمنية، وتهديد مباشر لمكانة العراق في المجتمع الدولي، حيث بدأت بعض العواصم الكبرى تلوح فعليًا بخيار إغلاق سفاراتها ونقل عملياتها الدبلوماسية إلى خارج بغداد، وهو ما يعني في حال حدوثه دخول البلاد في عزلة دولية خانقة ستؤثر بلا شك على مجالات الاقتصاد والتعاون الأمني والاعتراف بشرعية النظام السياسي القائم.

معضلة السلاح المنفلت وملاحقة الجناة

تجد الحكومة العراقية نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع جماعات مسلحة تمتلك قدرات تقنية وعسكرية تسمح لها بشن هجمات خاطفة والانسحاب بسرعة، مستغلة الثغرات الأمنية في محيط العاصمة بغداد، وهو ما جعل التعهدات الحكومية بملاحقة مطلقي الصواريخ تحت مجهر الاختبار الشعبي والدولي.

إن ملاحقة هذه العناصر لا تتطلب فقط جهدًا استخباراتيًا مكثفًا، بل تستلزم إرادة سياسية صلبة قادرة على مواجهة القوى التي توفر الغطاء السياسي لهذه الفصائل، إذ إن نجاح الأجهزة الأمنية في اعتقال المتورطين وتقديمهم للعدالة سيكون بمثابة إعلان رسمي عن استعادة الدولة لزمام المبادرة، أما الفشل في ذلك فسيفتح الباب على مصراعيه لمزيد من التصعيد الذي قد يخرج عن السيطرة ويؤدي إلى صدامات مسلحة داخل المدن، وهو ما تسعى الحكومة لتفاديه عبر تبني استراتيجية “القبضة الهادئة” التي توازن بين الردع الأمني والحفاظ على السلم الأهلي.

الضغوط الدولية وسيناريو الإغلاق المرعب

تتسارع وتيرة الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي على صانع القرار في بغداد، حيث لم تعد لغة الاستنكار كافية لإقناع هذه الدول بالبقاء في بيئة أمنية غير مستقرة، مما يجعل من تحرك الأجهزة الأمنية العراقية سباقًا محمومًا مع الزمن لتفادي “الزلزال الدبلوماسي”.

إن قرار إغلاق السفارة الأمريكية، على سبيل المثال، لن يكون مجرد إجراء فني، بل هو بمثابة ضوء أخضر لبقية البعثات للمغادرة، مما سيفقد العراق دعمًا حيويًا في ملفات مكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار، ويزيد من صعوبة تدفق الاستثمارات الأجنبية التي يحتاجها الاقتصاد العراقي المنهك.

لذا، فإن الإجراءات الأمنية المشددة التي تشهدها بغداد حاليًا، من نشر منظومات دفاعية وتكثيف الدوريات الجوية، تهدف بالدرجة الأولى إلى إرسال رسائل طمأنة للجانب الدولي بأن الحكومة جادة في حماية السيادة ومنع تحول البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

استراتيجية بغداد الجديدة لتأمين المنطقة الخضراء

في محاولة لقطع الطريق أمام الجماعات المسلحة، بدأت القوات الأمنية العراقية في تبني تكتيكات دفاعية وهجومية جديدة تشمل توسيع الطوق الأمني حول المنطقة الدولية واستخدام التقنيات الحديثة لرصد منصات الإطلاق قبل استخدامها، بالإضافة إلى تشكيل لجان تحقيق عليا مرتبطة مباشرة برئاسة الوزراء لمتابعة ملف “صواريخ الكاتيوشا”.

هذه الإجراءات تهدف إلى تجفيف منابع الدعم اللوجستي لهذه العمليات، من خلال مراقبة حركة الشاحنات والمركبات المشبوهة في أطراف بغداد، وفرض قيود صارمة على تداول الأسلحة والمواد المتفجرة.

ومع ذلك، تبقى فاعلية هذه الإجراءات مرهونة بمدى قدرة الدولة على تفكيك شبكات التجسس والتعاون التي قد تكون مخترقة لبعض مفاصل المؤسسات الأمنية، مما يتطلب عملية تطهير وتدقيق واسعة النطاق لضمان ولاء العناصر الأمنية للدولة فقط بعيدًا عن الانتماءات الحزبية أو العقائدية.

التداعيات السياسية والاجتماعية لاستمرار الاستهداف

لا تتوقف آثار زلزال الصواريخ عند الجانب الأمني فقط، بل تمتد لتضرب النسيج السياسي والاجتماعي العراقي، حيث يزداد الانقسام بين القوى التي تدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة وبين تلك التي تبرر الهجمات تحت مسميات “المقاومة” أو “رفض الوجود الأجنبي”.

هذا الانقسام يضعف الموقف التفاوضي للعراق في المحافل الدولية ويجعل القرار الوطني مرتهنًا للتجاذبات الخارجية، كما أن شعور المواطن البسيط بغياب الأمن في العاصمة يؤدي إلى تراجع الثقة في النظام السياسي برمته وزيادة الرغبة في الهجرة أو التظاهر ضد سوء الإدارة الأمنية.

إن استقرار الأمن الدبلوماسي هو المدخل الحقيقي للاستقرار المجتمعي، إذ لا يمكن تصور بناء دولة قوية ومزدهرة في ظل استمرار سقوط القذائف على المناطق السكنية المجاورة للسفارات، وما يترتب على ذلك من ترويع للمدنيين وإضرار بالممتلكات العامة والخاصة.

آفاق الحل ومنع وقوع الكارثة الدبلوماسية

إن الخروج من نفق الهجمات الصاروخية المظلم يتطلب رؤية وطنية شاملة تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية، لتبدأ من حوار وطني صريح يحدد دور الفصائل المسلحة في الدولة ومستقبل علاقة العراق مع القوى الدولية على أسس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

يجب أن يرافق الملاحقة الأمنية جهد دبلوماسي عراقي مكثف يشرح للمجتمع الدولي طبيعة التحديات التي تواجهها الحكومة، ويطلب الدعم التقني واللوجستي لضبط الحدود وحماية الأجواء، مع ضرورة إثبات الجدية في محاسبة الرؤوس الكبيرة التي تقف خلف هذه العمليات.