يواجه القطاع الصحي في اليمن خلال الربع الأول من عام 2026 منعطفًا هو الأخطر في تاريخه الحديث، حيث تتكاتف عوامل الحصار العسكري الذي تفرضه مليشيا الحوثي مع سياسات تجفيف منابع الدعم الدولي لتخلق مشهدًا مأساويًا يهدد حياة الملايين من المدنيين.
وقد كشفت التقارير الأممية الأخيرة عن أرقام مرعبة تشير إلى أن نقص التمويل الحاد بات يهدد بشكل مباشر بإغلاق ما لا يقل عن 453 مرفقًا صحيًا في مختلف المحافظات اليمنية.
وهذا الانهيار الوشيك ليس وليد الصدفة أو نتيجة طبيعية للحرب فحسب، بل هو نتاج استراتيجية حوثية ممنهجة تعتمد على عسكرة المنشآت الطبية وتحويلها إلى ثكنات عسكرية أو مراكز لجباية الأموال، مما دفع بالكثير من المنظمات الدولية المانحة إلى تقليص عملياتها أو تعليقها بالكامل نتيجة انعدام البيئة الآمنة للعمل الإنساني والسطو المتكرر على الشحنات الطبية والأدوية الحيوية التي كانت تخصص للفئات الأكثر احتياجًا في المجتمع اليمني،
انتهاكات وجرائم
تتعدد صور الجرائم التي ترتكبها مليشيا الحوثي بحق المنظومة الصحية، بدءًا من فرض الإتاوات غير القانونية على المستشفيات الخاصة والمراكز الطبية الحكومية، وصولاً إلى التدخل السافر في كشوفات المستفيدين من المساعدات الطبية وتوجيهها لخدمة عناصرها في الجبهات على حساب المرضى المدنيين.
وتؤكد مصادر حقوقية، أن المليشيا قامت خلال العام المنصرم بنهب مئات الأطنان من المستلزمات الطبية التي وفرتها منظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسف، وبيعها في الأسواق السوداء بأسعار خيالية؛ مما أدى إلى حرمان مرضى الفشل الكلوي والسرطان والسكري من الأدوية الضرورية لبقائهم على قيد الحياة، بالإضافة إلى ذلك، تسببت عمليات القصف العشوائي والحصار الخانق لمدن مثل تعز والبيضاء في منع وصول الفرق الطبية وسيارات الإسعاف، مما ضاعف من عدد الوفيات الناجمة عن إصابات كان يمكن علاجها لولا التعنت الحوثي والإصرار على استخدام الملف الإنساني ككرت للمساومة السياسية في المحافل الدولية،
تحذيرات أممية
في ظل هذا التصعيد الخطير، أطلقت الأمم المتحدة صرخة استغاثة أخيرة محذرة من أن توقف الدعم المالي عن 453 مرفقًا صحيًا سيعني حرمان حوالي 2 مليون امرأة وفتاة من خدمات الصحة الإنجابية، وترك مئات الآلاف من الأطفال عرضة للموت بسبب سوء التغذية الحاد والأوبئة المتفشية مثل الكوليرا والملاريا.
وتشير البيانات الدولية إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لم تتلقَ سوى ربع التمويل المطلوب لعام 2026، وهو تراجع يعزوه المراقبون إلى انعدام الثقة في قدرة الوصول إلى المحتاجين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
حيث يتم فرض قيود مشددة على تحركات الموظفين الأمميين واختطاف العشرات منهم وتوجيه تهم باطلة لهم بالتجسس، مما خلق فجوة تمويلية هائلة لا يمكن سدها في القريب العاجل.
وهذا الوضع يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية للضغط على المليشيا لوقف عبثها بالقطاع الصحي وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها دون قيد أو شرط،
انهيار المنظومة
إن الطريق نحو إغلاق المئات من المراكز الطبية هو في الحقيقة “طريق الموت” الذي مهدت له مليشيا الحوثي عبر سنوات من القمع الممنهج، فالمستشفيات التي كانت يومًا ما ملاذًا للمرضى تحولت اليوم إلى كيانات خاوية تفتقر لأبسط المقومات التشغيلية مثل الوقود والكهرباء والأدوية المنقذة للحياة، والكوادر الطبية اليمنية التي تعمل منذ سنوات دون رواتب منتظمة باتت غير قادرة على الاستمرار في تقديم خدماتها تحت وطأة التهديدات الأمنية والضغوط المعيشية الصعبة؛ مما أدى إلى هجرة العقول الطبية وتوقف العديد من الأقسام الحيوية مثل العناية المركزة وحضانات الأطفال.
وهذا الانهيار المتسارع لا يهدد فقط الحاضر، بل يمتد أثره ليدمر مستقبل الأجيال القادمة في اليمن التي ستنشأ في ظل بيئة صحية منهارة تمامًا، ما لم تكن هناك وقفة جادة وحازمة لإنهاء الحصار الحوثي وتأمين المساعدات الدولية اللازمة لإعادة الروح لهذا القطاع الحيوي الذي يمثل شريان الحياة الوحيد لما تبقى من الشعب اليمني الصامد،
المجتمع الدولي
يظل السؤال القائم هو عن مدى قدرة المجتمع الدولي على التحرك الفعال لوقف هذه الكارثة الإنسانية، فالتنديد والبيانات الورقية لم تعد تكفي لردع المليشيا عن ممارساتها الإجرامية.
وهناك حاجة ماسة لآليات مراقبة دولية صارمة تضمن عدم وصول الأموال والمساعدات إلى يد قادة الحوثيين الذين يستثمرون في معاناة الشعب، كما يجب على المانحين البحث عن طرق بديلة ومباشرة لدعم المرافق الصحية الصامدة بعيدًا عن تدخلات الأجهزة الاستخباراتية التابعة للمليشيا.
إن استمرار الصمت الدولي تجاه ما يحدث في اليمن من “إبادة طبية” هو مشاركة غير مباشرة في الجريمة، فالأرقام التي تتحدث عن 453 مرفقًا مهددًا بالإغلاق هي في الحقيقة أرواح بشرية وقصص معاناة لا تنتهي، وإنقاذها يتطلب إرادة دولية حقيقية تضع حدًا لسياسة الإفلات من العقاب التي تتمتع بها مليشيا الحوثي، وتجبرها على احترام القوانين الإنسانية الدولية التي تمنع استهداف المنشآت الطبية أو استخدامها في الصراعات المسلحة.

