ذات صلة

جمع

هيمنة شاملة.. كيف أثرت شبكات الإخوان على مستقبل الاستقرار في السودان؟

تعتبر تجربة جماعة الإخوان المسلمين في السودان واحدة من أعقد تجارب الإسلام السياسي في المنطقة العربية، حيث لم تكتفِ الجماعة بالوجود الدعوي أو السياسي التقليدي، بل عملت منذ عقود على بناء ما يعرف بـ “دولة التمكين” التي تغلغلت في كافة مفاصل الدولة السودانية عبر شبكات معقدة ومنظمة للغاية.

وقد بدأت هذه الرحلة من خلال اختراق المؤسسات التعليمية والنقابات المهنية، وصولاً إلى الانقلاب العسكري في عام 1989 الذي دشن مرحلة الثلاثين عامًا من الحكم المطلق، وخلال هذه الفترة الطويلة نجحت الجماعة في بناء هيكلية موازية للدولة الرسمية، تتألف من كوادر مدربة في مجالات الأمن والاقتصاد والإدارة، مما جعل وجودهم داخل مؤسسات الدولة السودانية ليس مجرد وجود وظيفي، بل هو وجود عضوي يصعب استئصاله بسهولة.

حيث تشير التقارير إلى أن هذه الشبكات ما تزال تمتلك القدرة على التحرك والتأثير في المشهد السوداني حتى بعد سقوط النظام السابق، مما يضع مستقبل الاستقرار في البلاد على المحك في ظل حالة الاستقطاب السياسي الحاد التي تعيشها الخرطوم والولايات السودانية المختلفة.

آليات السيطرة على مفاصل الدولة

اعتمدت شبكات الإخوان في السودان على استراتيجية متعددة المسارات لضمان الهيمنة الشاملة، حيث ركزت بشكل أساسي على قطاعين حيويين هما الأمن والاقتصاد، ففي الجانب الأمني، تم إنشاء أجهزة موازية وتجنيد عناصر موالية داخل الجيش والشرطة والمخابرات، مما خلق ما يسمى بـ “الدولة العميقة” التي تستطيع إفشال أي محاولة للإصلاح لا تتماشى مع مصالحها.

أما في الجانب الاقتصادي، فقد سيطرت هذه الشبكات على شركات كبرى في مجالات الاتصالات، والتعدين، والاستيراد والتصدير، والمصارف، مما وفر لها قاعدة مالية ضخمة تسمح بتمويل أنشطتها السياسية والاجتماعية وضمان ولاء شريحة واسعة من الموظفين والمهنيين.

وهذه الهيمنة المالية لم تكن تهدف فقط لجمع الثروة، بل كانت أداة ضغط سياسي فعالة تستخدم لشراء الولاءات أو لتعطيل عجلة الاقتصاد في حال استشعار أي خطر يهدد وجودها التنظيمي، مما جعل من الصعوبة بمكان فك الارتباط بين مؤسسات الدولة الرسمية وهذه الإمبراطورية المالية الموازية التي نمت في ظلها لسنوات طويلة.

أثر الشبكات على الاستقرار السياسي

إن التأثير العميق لشبكات الإخوان على مستقبل الاستقرار في السودان يظهر جليًا في قدرتها على المناورة داخل الفضاء السياسي المعقد، حيث اتهمت قوى سياسية عديدة هذه الشبكات بالعمل على تأجيج الصراعات القبلية والنزاعات المسلحة في مناطق مختلفة من السودان لصرف الأنظار عن مطالب التغيير الجذري.

كما أن وجود كوادر الجماعة في مناصب حساسة داخل الجهاز الإداري للدولة مكنها من ممارسة نوع من “العصيان البيروقراطي” الذي عرقل أداء الحكومات الانتقالية المتعاقبة، مما ساهم في تفاقم الأزمات المعيشية وزيادة حالة السخط الشعبي.

وهذا الدور التخريبي الممنهج يهدف في جوهره إلى إثبات أن أي نظام حكم لا يشرك الإخوان أو يرضى عنهم سيكون مصيره الفشل، وهو ما يضع السودان أمام خيارين أحلاهما مر، فإما الدخول في مواجهة مفتوحة لتفكيك هذه الشبكات وهو أمر قد يؤدي إلى اضطرابات أمنية واسعة، أو القبول بوجودها كلاعب خلف الستار مما يعني استمرار حالة الهشاشة السياسية وعدم الاستقرار المستدام.

التحديات الدولية والإقليمية للملف

لا يمكن فصل ملف شبكات الإخوان في السودان عن السياق الإقليمي والدولي، حيث تنظر العديد من القوى الإقليمية إلى استمرار نفوذ هذه الشبكات كتهديد للأمن القومي العربي وللاستقرار في منطقة البحر الأحمر.

وفي المقابل، حاولت الجماعة استغلال علاقاتها العابرة للحدود لتأمين دعم سياسي ومالي يساعدها على البقاء في مواجهة حملات التفكيك التي قادتها لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو.

وتبرز المعضلة الكبرى في كيفية تعامل المجتمع الدولي مع هذه الشبكات، خاصة وأنها تمتلك خبرة طويلة في التخفي تحت غطاء العمل الخيري والمنظمات المدنية، مما يجعل ملاحقتها قانونيًا وماليًا عملية شاقة تتطلب تعاونًا استخباراتيًا ومعلوماتيًا واسعًا، وبينما يحاول السودان إعادة بناء علاقاته الخارجية على أسس جديدة، تظل هذه الشبكات بمثابة “لغم” موقوت قد ينفجر في أي لحظة ليعيد البلاد إلى دائرة العزلة الدولية إذا ما نجحت في استعادة السيطرة على مقاليد الأمور أو استمرت في لعب دور المعطل للمسارات الدبلوماسية.

إن السودان يمر بمرحلة تاريخية مفصلية، حيث إن النجاح في تفكيك شبكات الهيمنة الإخوانية لن يعني فقط تحقيق الاستقرار السياسي، بل سيمهد الطريق لبناء نظام ديمقراطي حقيقي يعبر عن تطلعات الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة بعيدًا عن سياسات الإقصاء والتمكين الحزبي الضيق.