لم يعد السودان مجرد ساحة لحرب أهلية بعيدة جغرافيًا، بل بات يمثل اليوم “عقدة” حيوية في شبكة عابرة للقارات تجمع بين صراعات القوى، والتشدد الأيديولوجي، والجريمة المنظمة.
وفي ظل تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في عام 2026، تبرز الساحة السودانية كأحد أخطر الملاجئ التي تلتقي فيها مصالح قوى “الإسلام السياسي” مع الطموحات الإيرانية التوسعية.
ويرى خبراء الأمن في أوروبا وأمريكا اللاتينية، أن ما يحدث في الخرطوم ليس منفصلاً عن نشاط حزب الله في فنزويلا أو شبكات غسل الأموال في المثلث الحدودي، بل هو تكامل منهجي يستغل هشاشة الدول لبناء منصات تهديد عالمية.
وتكشف القراءة المعمقة للصراع الدائر منذ أبريل 2023، أن الرواية السائدة حول كونه مجرد مواجهة بين القوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع هي رواية تبسيطية تخفي الحقيقة الاستراتيجية.
إن الحرب الحالية تمثل المرحلة الأحدث من مشروع طويل الأمد لجماعة الإخوان المسلمين لاستعادة السيطرة على الدولة السودانية، فمنذ اندلاع الرصاصة الأولى، انخرطت الجماعة في قلب الهياكل العسكرية والسياسية للنظام، محولةً الصراع إلى معركة وجودية تهدف لترسيخ نفوذهم الأيديولوجي تحت غطاء الشرعية العسكرية والتحالفات الإقليمية المشبوهة.
لقد نجحت شبكات الإخوان في التغلغل داخل النواة الصلبة للقوات المسلحة، حيث قامت بتعبئة آلاف الضباط السابقين والكوادر الإسلامية ضمن ميليشيات منظمة مثل: “كتيبة البراء بن مالك”.
هذه الوحدات، التي تتلقى الدعم المباشر من مفاصل الدولة، أدت إلى محو الحدود الفاصلة بين سلطة الدولة والتشدد الميليشياوي، مما جعل “المقاومة الشعبية” مجرد غطاء مؤسسي لعودة الحزب المنحل.
بالنسبة للبرهان، يوفر هذا التحالف قوة بشرية مخلصة، أما بالنسبة للإخوان، فهو يمثل طوق نجاة للعودة إلى الجهاز التنفيذي والسيادي للدولة من أوسع أبوابه.
منصة التهديد العالمي
يعيد التاريخ نفسه اليوم في السودان، حيث تذكرنا الأوضاع الراهنة بفترة التسعينيات عندما تحولت البلاد إلى بيئة حاضنة للجهاد العالمي تحت رعاية الإخوان. ففي ذلك الوقت، استضاف السودان أسامة بن لادن ووفر له حماية سيادية مكنت تنظيم القاعدة من بناء بنية تحتية مالية ولوجستية انطلقت منها هجمات مدمرة استهدفت السفارات الأمريكية والمدمرات البحرية.
واليوم، يتكرر المشهد مع تحول السودان مجددًا إلى ممر لوجستي لتهريب الأسلحة الإيرانية ومركز لإدارة الاستثمارات المالية لحركات مثل حماس، التي استغلت الثغرات القانونية في السودان لبناء إمبراطورية مالية عابرة للحدود.
إن العلاقة البراجماتية بين الإخوان المسلمين وإيران، رغم التباينات المذهبية، تشكل المحرك الخفي للأحداث في عام 2026 فقد منحت طهران الجماعة إمكانية الوصول إلى السلاح المتقدم والتكنولوجيا العسكرية، مقابل حصول إيران على عمق جغرافي يطل على البحر الأحمر وممرات الطاقة الدولية.
هذا التحالف يفسر لماذا أصبح السودان نقطة اهتمام استراتيجية للقوى الغربية، حيث أن استمرار سيطرة الإخوان على مفاصل القرار يعني بقاء السودان كـ “عقدة” لإدارة الحروب بالوكالة والاقتصادات غير المشروعة التي تصل آثارها المدمرة إلى قلب العواصم الأوروبية والمدن الأمريكية.
وفي سياق الحرب الجارية ضد إيران، يخشى صناع القرار من أن يؤدي انهيار المركز في طهران إلى هروب عناصر راديكالية نحو الساحة السودانية، مما يحولها إلى “أفغانستان جديدة” على ضفاف النيل.
إن الربط بين القضية الفلسطينية والمشروع الإيراني والسودان قد حول المنطقة إلى ورقة ضغط ضمن لعبة المحاور الكبرى، حيث يتم استغلال آلام الشعب السوداني لخدمة أجندات توسعية. وبالتالي، فإن أي محاولة لتسوية الصراع دون تفكيك البنية التنظيمية للإخوان داخل الجيش ستظل محاولة قاصرة ولن تؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار القادم الذي سيتجاوز حدود القارة الأفريقية.
آفاق الحل والتحذيرات الدولية
تؤكد المعطيات الميدانية أن أي انتقال مدني حقيقي في السودان يتطلب بالضرورة تفكيك تحالف “الجيش والإخوان” الذي أعيد بناؤه تحت ضغط الحرب.
فبقاء الجماعة كعمود فقري أيديولوجي لنظام البرهان يمنع نجاح أي مبادرة دبلوماسية للسلام، لأن الجماعة ترى في وقف إطلاق النار نهاية لمشروعها السياسي.
لذا، فإن الرسالة الموجهة للمجتمع الدولي في 2026 هي أن السودان ليس مجرد مأساة إنسانية، بل هو “إنذار استراتيجي” يوضح كيف يمكن للشبكات الإسلاموية العابرة للحدود أن تستغل هشاشة الدول لتوسيع نطاق الجريمة والتشدد.

