تتصاعد حدة التوتر بين دونالد ترامب وحكومة بيدرو سانشيز بعد خلاف حاد بشأن استخدام القواعد العسكرية الأميركية في الأراضي الإسبانية ضمن العمليات العسكرية المرتبطة بالتصعيد ضد إيران.
الأزمة التي بدأت بتصريحات سياسية متبادلة سرعان ما تحولت إلى اختبار دبلوماسي داخل حلف حلف شمال الأطلسي، حيث تضع الخلافات المتصاعدة مسألة السيادة العسكرية والتنسيق الدفاعي في قلب النقاش بين الحلفاء.
التوتر تفجر بعد تصريحات لترامب اعتبر فيها أن القوات الأميركية قادرة على استخدام القواعد العسكرية في إسبانيا حتى دون موافقة مدريد، في إشارة إلى طبيعة الشراكة العسكرية بين البلدين.
التصريحات أثارت جدلاً واسعًا في الأوساط السياسية الأوروبية، إذ رأت فيها مدريد مساسًا واضحًا بمبدأ السيادة الوطنية وبالقواعد القانونية التي تحكم التعاون العسكري بين الحلفاء.
مدريد تتمسك بالقانون الدولي
من جانبها، شددت الحكومة الإسبانية على موقفها الرافض استخدام القواعد الجوية المشتركة في العمليات العسكرية الأخيرة المرتبطة بالتصعيد مع إيران.
وأكدت وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، أن القواعد الموجودة في جنوب إسبانيا، ومنها قاعدة مورون الجوية وقاعدة روتا البحرية، لن تستخدم إلا في الحالات التي تتوافق مع القانون الدولي أو في المهام الإنسانية.
هذا الموقف يعكس رؤية الحكومة الإسبانية بأن الضربات العسكرية الأخيرة تفتقر إلى الغطاء القانوني الدولي، وهو ما دفع مدريد إلى اتخاذ موقف حازم رغم إدراكها للتداعيات السياسية المحتملة مع واشنطن.
وتشير تقديرات دبلوماسية أوروبية إلى أن قرار إسبانيا لا يتعلق فقط بالموقف من العملية العسكرية، بل بمحاولة تأكيد استقلال القرار السياسي داخل الاتحاد الأوروبي.
تهديدات اقتصادية تزيد حدة الأزمة
التوتر السياسي لم يبقَ في الإطار العسكري فقط، إذ لوح ترامب بإمكانية اتخاذ إجراءات اقتصادية ضد مدريد، بما في ذلك مراجعة العلاقات التجارية أو فرض قيود على التبادل الاقتصادي.
هذه التصريحات أثارت مخاوف داخل الأوساط الاقتصادية الإسبانية، خصوصًا أن الولايات المتحدة تعد شريكًا تجاريًا مهمًا لاقتصاد البلاد.
في المقابل، أكدت الحكومة الإسبانية أن أي خلاف تجاري يجب أن يدار ضمن الأطر القانونية الدولية وبين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مشددة على أن القرارات الاقتصادية لا يمكن أن تتخذ كرد فعل سياسي مباشر.
ويرى محللون، أن التصعيد التجاري المحتمل قد يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى العلاقات عبر الأطلسي في وقت يشهد فيه العالم توترات جيوسياسية متزايدة.
الناتو في قلب اختبار سياسي
تضع هذه الأزمة حلف شمال الأطلسي أمام معضلة سياسية دقيقة، فالحلف الذي يقوم على مبدأ التضامن الدفاعي يواجه الآن خلافًا بين اثنين من أعضائه بشأن حدود التعاون العسكري والالتزام بالقواعد الدولية.
كما يعيد الجدل إلى الواجهة قضية الإنفاق الدفاعي، بعدما انتقدت واشنطن مرارًا مستوى الإنفاق العسكري الإسباني مقارنة بالأهداف التي يحددها الحلف.
ويرى مراقبون، أن الخلاف يعكس تحولاً أوسع في العلاقات داخل الناتو، حيث تسعى بعض الدول الأوروبية إلى قدر أكبر من الاستقلالية في قراراتها الأمنية، بينما تتمسك واشنطن بدور القيادة التقليدي داخل التحالف.
وفي الداخل الإسباني، اكتسب موقف سانشيز زخمًا سياسيًا ملحوظًا، إذ يرى قطاع واسع من الرأي العام أن رفض استخدام القواعد العسكرية يعكس دفاعًا عن السيادة الوطنية وعن الالتزام بالقانون الدولي.
هذا الدعم الشعبي يمنح الحكومة الإسبانية مساحة أوسع للمناورة في مواجهة الضغوط الأميركية.
بينما في واشنطن، فينظر إلى الموقف الإسباني على أنه مؤشر على تصاعد التباينات داخل المعسكر الغربي بشأن إدارة الأزمات الدولية.

