ذات صلة

جمع

تحدي العائدين من العراق.. هل تنجح المقاربة الأمنية التونسية في ترويض “الذئاب المنفردة”؟

تقف الدولة التونسية أمام معضلة أمنية وقانونية بالغة التعقيد،...

تحالف الأيديولوجيا والدم.. كيف يختطف الإخوان وإيران مستقبل السودان؟

لم تعد الحرب المستعرة في السودان مجرد نزاع داخلي...

خيوط الفوضى.. كيف تستخدم طهران التصعيد العسكري كدرع لحماية النظام الفاشي؟

دخلت المنطقة العربية والمحيط الإقليمي في مرحلة هي الأكثر...

طرابلس في فخ الجمود.. كيف تحولت العاصمة الليبية إلى ساحة لتصفية الحسابات الاقتصادية؟

تعيش العاصمة الليبية طرابلس حالة فريدة ومؤلمة من التناقض الصارخ، حيث يجد المواطن نفسه عالقًا بين حالة “سلم” هشة لا تقدم له الحد الأدنى من الخدمات، وبين “اقتصاد حرب” غير معلن يستنزف مدخراته وقوته اليومي بشكل ممنهج.

إن المشهد الحالي في شوارع طرابلس، من طوابير طويلة أمام المصارف بحثاً عن فتات من السيولة النقدية، إلى ظلام دامس يلف الأحياء السكنية نتيجة الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، لا يمكن فصله أبدًا عن الانسداد السياسي المزمن الذي تعيشه البلاد.

تآكل القدرة الشرائية وتوحش التضخم

لقد أدى الانقسام المؤسسي، وخاصة في مصرف ليبيا المركزي والمؤسسات المالية الكبرى، إلى حالة من التخبط في السياسات النقدية، مما انعكس بشكل كارثي على سعر صرف الدينار الليبي في السوق الموازية.

هذا التدهور في قيمة العملة لم يكن مجرد رقم في نشرات الأخبار، بل تُرجم فورًا إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية والأدوية والمحروقات، ليجد الموظف الطرابلسي نفسه عاجزًا عن تلبية احتياجات أسرته رغم تقاضيه راتبه بانتظام (في حال توفر السيولة).

إن ما يشهده اقتصاد طرابلس اليوم هو نتاج طبيعي لغياب ميزانية موحدة للدولة، حيث يتم الصرف عبر ترتيبات مالية مؤقتة تفتقر للشفافية والرقابة، مما يفتح الباب واسعًا أمام الفساد الإداري واقتصاد الظل الذي يزدهر في مناخات عدم الاستقرار.

المواطن في طرابلس يدفع اليوم ثمن “الشرعيات المتعددة”، حيث تفرض كل جهة رسومًا أو قيودًا تزيد من أعباء المعيشة، في ظل غياب تام لأي خطط اقتصادية وطنية تهدف إلى حماية الطبقات الهشة من تداعيات هذا الانهيار المتواصل.

أزمة الخدمات كأداة للضغط السياسي

لا يمكن الحديث عن معاناة المواطن في طرابلس دون التطرق إلى ملف الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه والوقود. إن هذه الملفات تحولت في ظل الانسداد السياسي إلى أدوات للمساومة والضغط بين القوى المتصارعة؛ فكلما احتدم الخلاف السياسي في غرف المفاوضات، زادت ساعات طرح الأحمال أو اختفت البنزين من المحطات بشكل مفاجئ.

هذا الاستخدام اللاأخلاقي للخدمات الضرورية كأوراق ضغط سياسي يعكس مدى استهانة النخبة السياسية بحياة المواطنين.

المواطن في طرابلس يعيش اليوم في مفارقة عجيبة، ففي الوقت الذي تعلن فيه المؤسسة الوطنية للنفط عن زيادة في الإنتاج ومعدلات التصدير، يعاني سكان العاصمة من نقص في غاز الطهي أو وقود السيارات.

هذا الخلل البنيوي هو نتيجة مباشرة لغياب حكومة موحدة قادرة على فرض سلطتها وتوجيه الموارد نحو التنمية بدلاً من استنزافها في تمويل الولاءات السياسية والعسكرية، مما يجعل “معاناة السلم” في طرابلس لا تقل قسوة عن “ويلات الحرب” التي خاضتها المدينة في سنوات سابقة.

الانعكاسات الاجتماعية ونقطة الانفجار
إن استمرار هذا الوضع المعيشي المتردي بدأ يفرز ظواهر اجتماعية خطيرة تهدد السلم الأهلي في طرابلس، حيث ارتفعت معدلات الجريمة، وانتشرت حالة من اليأس والإحباط بين فئة الشباب التي تجد نفسها بلا أفق مهني أو استقرار مالي.

هذا الضغط المتواصل يضع العاصمة الليبية أمام سيناريو “الانفجار الاجتماعي” الذي قد لا يفرق بين حليف ومعارض؛ فالمحتجون الذين يخرجون اليوم في ساحات طرابلس لم يعودوا يرفعون شعارات سياسية أيديولوجية، بل يرفعون أرغفة الخبز وفواتير الكهرباء.

إن تآكل الطبقة الوسطى في طرابلس وتحول غالبية السكان إلى دائرة الفقر هو النتيجة الحتمية لسياسة “ليّ الذراع” التي تمارسها الأطراف السياسية.

إذا استمر هذا الانسداد، فإن الشارع الطرابلسي قد يقرر في لحظة ما تجاوز كافة الأجسام السياسية الحالية والبحث عن مسار بديل، مما قد يقلب الطاولة على الجميع ويعيد ترتيب الأولويات الوطنية لتكون “قمة العيش” هي المطلب الأول والشرعية الوحيدة التي يعترف بها الناس.

آفاق الحل بين السياسة والاقتصاد

يبدو واضحًا أن الحل لأزمة المواطن في طرابلس لا يمكن أن يكون اقتصاديًا بحتًا، بل هو حل سياسي بامتياز يبدأ بإنهاء حالة الانقسام المؤسسي وتوحيد السلطة التنفيذية والمالية تحت مظلة واحدة تخضع للمحاسبة.

إن استمرار “اقتصاد الحرب” في ظل غياب المعارك العسكرية هو تشويه متعمد للدولة الليبية، والمستفيد الوحيد منه هم “أمراء الأزمات” الذين يقتاتون على معاناة الشعب.

المواطن في طرابلس اليوم لا يحتاج إلى وعود دولية أو مؤتمرات ديبلوماسية جديدة، بل يحتاج إلى “إرادة وطنية” تضع مصلحة المواطن فوق المصالح الحزبية والجهوية.

إن فك الارتباط بين قوت الليبيين وبين صراعات النفوذ هو الخطوة الأولى نحو استعادة طرابلس لعافيتها وبدون ذلك، ستظل العاصمة تعيش في دائرة مفرغة من المعاناة، يدفع فيها المواطن وحده ثمن فاتورة انسداد لا يد له فيه، وسط تفرج دولي ومحلي يكتفي برصد الأزمات دون تقديم حلول ناجعة تنهي مأساة “معاناة السلم” في بلد يسبح فوق بحار من النفط والغاز.