منذ انقلاب ميليشيا الحوثي على الشرعية في اليمن، دخلت مؤسسة القضاء نفقًا مظلمًا تحولت فيه من حارس للعدالة إلى أداة طيعة في يد الجماعة لتنفيذ أجنداتها السياسية والعسكرية.
ومع حلول عام 2026، تصاعدت وتيرة الانتهاكات التي تستخدم “القانون” غطاءً لجرائم القتل والمصادرة، حيث باتت المحاكم في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيا أشبه بـ “مقصلة” سياسية تُشهر في وجه كل من يعارض فكر الجماعة أو يقف ضد ممارساتها الإجرامية.
صناعة الأحكام الجائرة.. كيف تدار المحاكم من الغرف المظلمة؟
تعتمد ميليشيا الحوثي في إدارة المنظومة القضائية على استراتيجية “الإحلال والتمكين”، حيث قامت بعزل القضاة المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة واستبدالهم بعناصر عقائدية موالية لها، لا تملك في الغالب المؤهلات القانونية الكافية، بل تتبع تعليمات “المشرفين” الأمنيين بشكل مباشر.
وتُعقد المحاكمات في ظروف تفتقر لأبسط الحقوق، حيث يُمنع المتهمون من التواصل مع محاميهم، وتُنتزع منهم الاعترافات تحت وطأة التعذيب الجسدي والنفسي الشديد في سجون سرية قبل عرضهم على المحكمة، لتأتي الأحكام جاهزة ومعدة مسبقًا في الغرف المغلقة التابعة للجهاز الأمني للميليشيا، مما حوّل العملية القضائية إلى “مسرحية هزلية” الهدف منها شرعنة جرائم الإعدام الجماعي التي طالت العشرات من الناشطين والسياسيين وحتى المواطنين العاديين بتهم فضفاضة مثل: “التخابر مع العدوان” أو “إعانة العدو”.
مقصلة الإعدامات.. استراتيجية الرعب لكسر الإرادة الشعبية
شهد عام 2026 ذروة في إصدار أحكام الإعدام الجماعية، وكان أبرزها الإجراءات التعسفية بحق المختطفين من أبناء محافظة المحويت الذين واجهوا سنوات من الإخفاء القسري قبل أن يُحكم عليهم بالإعدام في محاكمات لم تستغرق سوى دقائق.
ويرى مراقبون حقوقيون، أن هذه الإعدامات ليست مجرد عقوبات قانونية، بل هي “رسائل رعب” موجهة للمحافظات والقبائل التي ما زالت تقاوم المشروع الحوثي.
فالميليشيا تستخدم دماء الأبرياء وسيلة لترهيب المجتمع وضمان عدم خروج أي أصوات تطالب بالحقوق الأساسية أو تندد بتردي الأوضاع المعيشية، إن تكرار سيناريو إعدام أبناء تهامة في السابق، والآن التلويح بإعدام ناشطي المحويت والبيضاء، يؤكد أن الميليشيا قررت استخدام القضاء كبديل للرصاص في تصفية من تعجز عن كسر إرادتهم في الميدان أو عبر سجونها المظلمة.
الحارس القضائي.. نهب ممتلكات المعارضين تحت غطاء “القانون”
لم يقتصر استغلال القضاء على إزهاق الأرواح، بل امتد ليشمل “الحرب الاقتصادية” ضد الخصوم، حيث استحدثت الميليشيا منصب “الحارس القضائي” الذي تحول إلى ذراع مالي لنهب الشركات، العقارات، والجمعيات الخيرية التابعة للمعارضين أو حتى للتجار الرافضين لدفع الجبايات.
ومن خلال أحكام قضائية مسيسة، يتم الحجز على أموال وممتلكات آلاف اليمنيين بتهم كيدية، لتذهب هذه الأموال لاحقًا لتمويل المجهود الحربي أو لإثراء قيادات الجماعة، هذا النوع من السطو المسلح “المقنن” أدى إلى تجريف القطاع الخاص وتدمير البيئة الاستثمارية في صنعاء، حيث بات القضاء وسيلة لنزع الملكية الخاصة وتحويلها إلى “إقطاعيات” تابعة للميليشيا، مما يفاقم من معاناة الشعب اليمني الذي يعيش تحت وطأة أسوأ أزمة إنسانية في العالم.
محاكم التفتيش المعاصرة.. استهداف الهوية والوعي اليمني
تستخدم الميليشيا المحاكم أيضًا لفرض نموذجها الفكري والديني المتطرف، حيث يتم محاكمة الأكاديميين والمثقفين والصحفيين الذين ينتقدون المناهج الدراسية المحرفة أو يعارضون “الدورات الثقافية” الإجبارية، إن اعتقال العشرات من موظفي المنظمات الدولية والأممية في عام 2026 وتوجيه تهم “التجسس” لهم عبر القضاء الحوثي، يمثل سابقة خطيرة تهدف إلى عزل اليمن عن المجتمع الدولي وإرهاب العمل الإنساني.
هذه “المحاكمات العقائدية” تعيد للأذهان عصور محاكم التفتيش، حيث يُحاكم الإنسان على معتقده ورأيه السياسي، ويُجرّم التفكير الحر، مما يعزز من حالة العزلة الثقافية والاجتماعية التي تحاول الجماعة فرضها على المناطق الخاضعة لسيطرتها بقوة القانون المسلوب.
موقف المجتمع الدولي.. إدانات لا توقف مقصلة الحوثي
رغم التقارير الحقوقية الصارخة الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات دولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” التي أدانت تسييس القضاء الحوثي، إلا أن الميليشيا ما زالت تضرب بكافة هذه التحذيرات عرض الحائط، وتستغل حالة التراخي الدولي للمضي قدمًا في تنفيذ أحكام الإعدام ومصادرة الممتلكات.
إن صمت المجتمع الدولي تجاه “الإرهاب القضائي” يمنح الميليشيا الضوء الأخضر للاستمرار في جرائمها، مما يهدد بانهيار كامل لما تبقى من مؤسسات الدولة في اليمن ويجعل من فكرة “السلام المستدام” أمراً بعيد المنال، طالما أن العدالة تُستخدم كخنجر في خاصرة التوافق الوطني وكوسيلة لإبادة المعارضين سياسيًا وفكريًا.
إن استعادة استقلال القضاء وتطهيره من التبعية العقائدية هو الخطوة الأولى نحو بناء يمين ديمقراطي ومستقر، حيث يكون القانون حاميًا للجميع وليس أداة في يد عصابة تستخدمه لإشباع أهوائها في القتل والنهب والتسلط.

