ذات صلة

جمع

عقيدة موسكو النووية تحت المجهر.. هل اقترب بوتين من “الزر الأحمر”؟

دخل الصراع الروسي الأوكراني في مطلع عام 2026 منعطفًا...

القضاء كأداة حرب.. كيف حولت ميليشيا الحوثي محاكم صنعاء لمنصات إعدام سياسية؟

منذ انقلاب ميليشيا الحوثي على الشرعية في اليمن، دخلت...

الشرعية المفقودة.. لماذا يرفض الشارع السوداني خريطة طريق البرهان؟

يواجه الفريق أول عبد الفتاح البرهان مع حلول عام...

كيف أجهضت أحكام “التسفير” استراتيجية “العودة من الباب الخلفي” لإخوان تونس؟

شكلت تونس على مدار العقد الماضي مسرحًا لتحولات سياسية...

تفاصيل وكواليس اغتيال خامنئي.. من رحلة نتنياهو إلى قرار ترامب

كشفت مصادر متعددة عن سلسلة من التحركات السياسية والعسكرية...

كيف أجهضت أحكام “التسفير” استراتيجية “العودة من الباب الخلفي” لإخوان تونس؟

شكلت تونس على مدار العقد الماضي مسرحًا لتحولات سياسية كبرى، لكن ظل ملف “تسفير الشباب إلى بؤر التوتر” يمثل الجرح الغائر في ذاكرة التونسيين واللغز الذي استعصى على الحل لسنوات طويلة. اليوم.

ومع صدور أحكام قضائية حاسمة وتكشف خيوط المؤامرة، يبدو أن القناع قد سقط تماماً عن حركة النهضة (إخوان تونس)، حيث أجهضت هذه الأحكام ما عرف باستراتيجية “العودة من الباب الخلفي”، وهي الخطة التي حاولت الحركة من خلالها إعادة تسويق نفسها كضحية سياسية أو كلاعب ديمقراطي لا غنى عنه.

إن ملف التسفير ليس مجرد قضية جنائية، بل هو كشف حساب تاريخي لمرحلة تداخلت فيها السياسة بالإرهاب، وأثبتت التحقيقات أن التسهيلات التي منحت في مراكز النفوذ كانت الجسر الذي عبر عليه آلاف الشباب نحو المحرقة السورية والليبية، وهو ما وضع قادة الصف الأول في الحركة وجهاً لوجه أمام مسؤولياتهم التاريخية والقانونية.

جذور الملف: اختراق الدولة وبناء الحاضنة

بدأت القصة حين سيطرت حركة النهضة على مفاصل الدولة عقب عام 2011، حيث استغلت الحركة حالة الانفلات الأمني والسياسي لبناء شبكات نفوذ تغلغلت في الأجهزة الحساسة، وخاصة في وزارتي العدل والداخلية.

تشير الوقائع إلى أن “استراتيجية التمكن” لم تكن تهدف فقط لادارة شؤون البلاد، بل لتوفير غطاء لوجستي لعمليات كبرى، كان من بينها تسهيل خروج المقاتلين.

تقارير اللجان البرلمانية والقضائية أكدت أن “الباب الخلفي” الذي حاول الإخوان العودة منه عبر التباكي على حقوق الإنسان والمطالبة بالديمقراطية، كان هو نفسه الباب الذي شرعوه أمام الجماعات المتطرفة لتجنيد الشباب التونسي.

هذا التناقض الصارخ بين الخطاب المدني في العلن والممارسات التنظيمية في الخفاء، هو ما جعل من أحكام “التسفير” ضربة قاضية لشرعية الحركة التي تآكلت بفعل الحقائق الموثقة في ملفات التحقيق.

أحكام التسفير: قطع الطريق على المناورات السياسية

لطالما راهنت حركة النهضة على عامل الوقت وعلى تحالفات دولية وضغوط خارجية للعودة إلى المشهد السياسي، معتقدة أن ملفات الفساد والإرهاب ستظل حبيسة الأدراج أو ستخضع للمساومات السياسية.

إلا أن الصرامة القضائية التي شهدتها تونس مؤخراً قلبت الطاولة على الجميع؛ فالأحكام الصادرة بحق قيادات بارزة، من بينهم وزراء ومسؤولون أمنيون سابقون محسوبون على التنظيم، لم تترك مجالاً للشك في أن الدولة التونسية قررت استعادة سيادتها القانونية.

هذه الأحكام أجهضت فعليًا محاولات “إعادة التدوير” التي كانت تخطط لها الحركة عبر واجهات مدنية جديدة أو عبر التحالف مع قوى سياسية معارضة، حيث أصبح الارتباط بملف التسفير “وصمة” تجعل من أي تقارب مع النهضة انتحارًا سياسيًا لأي طرف تونسي؛ مما أدى إلى عزل الحركة محليًا وإقليميًا.

تفكيك خطاب المظلومية: الحقائق لا العواطف

اعتمد الإخوان عبر تاريخهم على “سلاح المظلومية” لاستدرار عطف القواعد الشعبية والمجتمع الدولي، وكانوا يصورون الملاحقات القضائية على أنها “تصفية حسابات سياسية”.

لكن ملف التسفير تحديدًا كسر هذه القاعدة؛ لأن الضحايا هنا ليسوا من قيادات الحركة، بل هم آلاف العائلات التونسية التي فقدت أبناءها في حروب عبثية، والدولة التي تضررت سمعتها الدولية.

عندما يتحدث القضاء بالأدلة والوثائق والتحويلات المالية وشهادات الشهود حول كيفية تزوير جوازات السفر وتسهيل العبور عبر المطارات، يسقط خطاب المظلومية وتبرز الحقيقة الجنائية.

لقد أدرك الشعب التونسي، أن “العودة من الباب الخلفي” لم تكن تهدف لإصلاح المسار الديمقراطي، بل كانت محاولة بائسة لغلق ملفات الجرائم الكبرى وضمان الإفلات من العقاب، وهو ما لم يتحقق بفضل اليقظة الأمنية والقضائية.

تداعيات السقوط: انهيار الهيكل التنظيمي

لم تكن الأحكام القضائية مجرد عقوبات سجن، بل كانت زلزالاً ضرب الهيكل التنظيمي لحركة النهضة، حيث تسببت في موجة استقالات غير مسبوقة وانشقاقات بين القواعد التي شعرت بالخديعة.

إن إجهاض استراتيجية العودة يعني أن الحركة فقدت قدرتها على المناورة، وأصبح قادتها مهتمين فقط بكيفية النجاة الشخصية من التبعات القانونية بدلاً من التفكير في استعادة السلطة.

هذا الانهيار الداخلي تزوج مع رفض شعبي واسع، حيث أظهرت استطلاعات الرأي والواقع الميداني أن التونسيين يربطون بين العشرية السوداء وبين صعود الإخوان، ويعتبرون أن محاسبة المتورطين في ملف التسفير هي الخطوة الأولى والأساسية لتحقيق الاستقرار الوطني وبناء جمهورية جديدة لا مكان فيها لتنظيمات تعمل بأجندات عابرة للحدود.

مستقبل تونس: دولة القانون فوق الجميع

يمكن القول: إن سقوط القناع عن إخوان تونس عبر بوابة ملف التسفير يمثل نقطة تحول تاريخية في مسار الدولة الوطنية.

إن إجهاض “العودة من الباب الخلفي” ليس مجرد انتصار سياسي لخصوم النهضة، بل هو انتصار للدولة التونسية بمؤسساتها وشعبها.

تونس اليوم، وهي تمضي قدمًا في تثبيت دعائم القانون، ترسل رسالة واضحة للعالم بأن عهد المتاجرة بالدين وتوظيف الإرهاب لأغراض سياسية قد انتهى دون رجعة.

إن الأحكام القضائية الصادرة هي الضمانة الحقيقية لمنع تكرار مآسي الماضي، وهي الحصن الذي سيمنع أي تنظيم مستقبلي من التفكير في العبث بأمن البلاد القومي تحت غطاء الشعارات السياسية الزائفة، لتبقى تونس دولة مدنية، ذات سيادة، وقانونها فوق الجميع.