ذات صلة

جمع

حصاد الدم في السودان.. البرهان يغلق باب الهدنة في وجه الضغوط الدولية

دخلت الحرب السودانية في عام 2025 منعطفًا هو الأكثر...

حصاد الدم في السودان.. البرهان يغلق باب الهدنة في وجه الضغوط الدولية

دخلت الحرب السودانية في عام 2025 منعطفًا هو الأكثر دموية وعبثية منذ اندلاع الشرارة الأولى للنزاع في أبريل 2023، حيث تحولت الأرقام والإحصائيات إلى “جحيم حقيقي” لا يمكن للعقل البشري استيعابه، مما دفع المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة إلى إطلاق نداءات استغاثة وضغط قصوى لفرض هدنة إنسانية عاجلة.

وفي تصريحات زلزلت الأوساط الدبلوماسية، كشف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، ، عن بيانات مرعبة تشير إلى أن عدد القتلى المدنيين في السودان قد ازداد بأكثر من مرتين ونصف خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، وهو ما يعكس انهيارًا كاملاً لمنظومة الحماية المدنية واستخدامًا مفرطًا للقوة الغاشمة من قبل طرفي الصراع، وسط اتهامات مباشرة لرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان وخصومه بالمسؤولية المباشرة عن هذا الانحدار الأخلاقي والعسكري.

تصعيد عسكري وتجاهل للمآسي الإنسانية

لقد شهدت الأشهر الأخيرة من عام 2025 تحولاً في التكتيكات العسكرية تمثلت في الاستخدام المكثف للمسيرات المتطورة بعيدة المدى، والتي وسعت دائرة الموت لتشمل مدنيين في مناطق كانت تعتبر آمنة وبعيدة عن خطوط الجبهة التقليدية.

وأوضح المسؤول الأممي، أن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يواصلان استخدام الأسلحة المتفجرة في مناطق مكتظة بالسكان دون أدنى تحذير مسبق، مما يبرهن على استخفاف تام بحياة البشر وتحويل المدن إلى ساحات تصفية حسابات سياسية.

هذا التصعيد لم يقتصر على القصف الجوي والمدفعي، بل امتد ليشمل فظاعات شنيعة رصدتها الفرق الأممية، من بينها عمليات إعدام ميدانية واحتجاز تعسفي لآلاف المواطنين الذين ما يزال الكثير منهم في عداد المفقودين أو جثثًا مجهولة الهوية لم تسجل في القوائم الرسمية للضحايا حتى الآن.

جرائم العنف الجنسي وعسكرة المجتمع السوداني

التقرير الأممي الأخير لم يتوقف عند حدود القتل المباشر، بل سلط الضوء على “الوجه القبيح” للحرب المتمثل في تزايد حالات العنف الجنسي بشكل مرعب، حيث تم تسجيل أكثر من 500 ضحية لهجمات وحشية تشمل الاغتصاب والتعذيب الجنسي والعبودية خلال عام 2025 وحده.

وحذر فولكر تورك من أن هذه الجرائم ليست مجرد حوادث معزولة، بل هي نمط متكرر يعكس غياب المحاسبة وانهيار القيم الإنسانية لدى القوى المسلحة.

وبالتوازي مع ذلك، برزت ظاهرة “عسكرة المجتمع” كخطر وجودي يهدد مستقبل البلاد، حيث يتم تجنيد الأطفال والشباب بشكل قسري أو تحت ضغط الحاجة، مما يحول جيلاً كاملاً إلى وقود لنار الحرب التي وصفها تورك بـ “الجنون” الذي لا يستفيد منه سوى من يحرك خيوط الصراع من خلف الستار.

إغلاق باب الهدنة واستمرار لغة الرصاص

وعلى الرغم من هبوط أول طائرة تابعة للأمم المتحدة في مطار الخرطوم منذ اندلاع الحرب، وهو الحدث الذي اعتبرته منسقة الشؤون الإنسانية دينيس براون “مهمًا جدًا” لإيصال المساعدات لملايين المحتاجين، إلا أن الأفق السياسي ما يزال مسدودًا بالكامل.

فقد جاء رد الفعل من جانب الفريق أول عبد الفتاح البرهان صادمًا للمجتمع الدولي، حيث تعهد بمواصلة القتال حتى النهاية، رافضًا بشكل قاطع أي إمكانية لإبرام هدنة مع قوات الدعم السريع في الوقت الحالي.

هذا التعنت أدى إلى انهيار كافة الجهود الدبلوماسية الرامية للتوصل إلى وقف إطلاق نار دائم، مما يضع السودان أمام سيناريو “الحرب الشاملة” التي لا تبقي ولا تذر، في وقت يعاني فيه أكثر من 11 مليون نازح من ظروف معيشية وصحية هي الأسوأ على مستوى العالم.

مستقبل السودان بين الضغط الدولي والواقع المرير

إن التساؤل الاستنكاري الذي طرحه فولكر تورك أمام مجلس حقوق الإنسان: “كيف ينام من يحركون هذا الجنون؟”، يلخص الحالة المأساوية التي وصل إليها السودان في 2025. فبينما يصر قادة الصراع على حسم المعركة عسكريًا، تتراكم الجثث في شوارع الخرطوم والفاشر وكردفان، وتضيع هويات الآلاف تحت أنقاض المباني المدمرة.

إن استمرار الضغوط الدبلوماسية والسياسية الدولية يظل هو الرهان الأخير لدفع الأطراف المتصارعة نحو مائدة التفاوض، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن لغة الرصاص والمسيرات هي السائدة، مما يهدد بتحويل السودان إلى بؤرة صراع لا يمكن احتواؤها، حيث يتضاعف الضحايا وتضيع حقوق الإنسان في غيابات الجب الإيديولوجي والعسكري الذي يفرضه طرفا النزاع على الشعب السوداني المنكوب.