دخلت المباحثات الإيرانية الأمريكية في فبراير 2026 مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتأرجح المنطقة بين احتمال التوصل لـ “اتفاق سلام نووي” وبين اندلاع مواجهة عسكرية شاملة.
في هذا المشهد المعقد، تستخدم طهران المباحثات كأداة مناورة مزدوجة؛ فمن جهة، تسعى لتهدئة الاندفاعة الأمريكية العسكرية التي يقودها الرئيس دونالد ترامب، ومن جهة أخرى، تحاول تثبيت موقعها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
إن لجوء إيران للمفاوضات غير المباشرة في جنيف، عبر الوساطة العُمانية، يعكس “براغماتية قلقة” تهدف إلى تخفيف الحصار الاقتصادي الذي أرهق الداخل الإيراني، مع الحفاظ على الخطوط الحمراء المتعلقة بالسيادة العسكرية.
المناورة الإيرانية لا تقتصر على الطاولة، بل تمتد إلى استعراض القوة الميدانية عبر تحريك أسطول الناقلات والتهديد بإشعال المنطقة، في رسالة واضحة لواشنطن مفادها أن تكلفة الحرب ستكون باهظة على الجميع؛ مما يجعل الدبلوماسية هي “المخرج الوحيد الآمن” للطرفين.
التوازن بين الشرق والغرب
تعتمد الاستراتيجية الإيرانية الحالية على مبدأ “التوازن القلق”؛ فهي تعمق تحالفها العسكري والاقتصادي مع روسيا والصين (الشرق) لتوفير شبكة أمان ضد العزلة الدولية، بينما تفتح نوافذ التفاوض مع واشنطن (الغرب) لانتزاع اعتراف بحقها في التخصيب السلمي.
في جنيف، قدم المفاوضون الإيرانيون عروضًا وصفت بالـ “مبتكرة”، شملت إمكانية فتح قطاعات النفط والغاز والمعادن الحرجة أمام الاستثمارات الأمريكية، في محاولة ذكية لإغراء الإدارة الأمريكية بمكاسب اقتصادية مباشرة مقابل رفع العقوبات.
هذه المناورة تهدف إلى خلق “لوبي مصالح” داخل واشنطن يدافع عن الاتفاق، وفي الوقت نفسه، ترسل إشارات لموسكو وبكين بأن طهران تمتلك خيارات بديلة، مما يعزز من قيمتها التفاوضية لدى الطرفين.
إن إيران تدرك أن الصراع الدولي بين القوى الكبرى يمنحها مساحة للمناورة، وهي تحاول جاهدة ألا تضع كل بيضها في سلة واحدة، بل تراقص القوى الكبرى على إيقاع مصالحها القومية.
الخطوط الحمراء والرهانات الكبرى
رغم المرونة التي تبديها طهران في ملف التخصيب، حيث عرضت تقليص مستويات التخصيب إلى 1.5% ووقف العمل في بعض المنشآت مثل “فوردو” لفترة محددة، إلا أنها ما تزال تتمسك بـ “لاءات” قاطعة بشأن ملف الصواريخ الباليستية ونفوذها الإقليمي.
بالنسبة للمرشد الأعلى علي خامنئي، فإن التنازل عن البرنامج الصاروخي يعني تجريد البلاد من درعها الدفاعي الوحيد، وهو ما ترفضه طهران جملة وتفصيلاً رغم الضغوط التي يمارسها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
المناورة الإيرانية هنا تقوم على “تجزئة الملفات”؛ أي حصر المباحثات في الإطار النووي فقط، مع المراهنة على أن واشنطن، التي تحشد أساطيلها في المتوسط والخليج، تفضل “اتفاقًا ناقصًا” يمنع القنبلة النووية على “حرب شاملة” مجهولة النتائج.
هذا الرهان يمثل جوهر السياسة الخارجية الإيرانية في عام 2026، حيث تسعى لانتزاع “اتفاق دائم” يضمن بقاء النظام ورفع العقوبات دون المساس بقدراتها الردعية.
الضغوط الداخلية وأثرها على القرار
لا يمكن فهم المناورة الاستراتيجية الإيرانية بعيدًا عن الغليان الداخلي؛ فالاحتجاجات الشعبية والأزمات المعيشية الخانقة التي شهدتها المدن الإيرانية مؤخرًا جعلت من “الانفراج الاقتصادي” ضرورة ملحة لاستمرار شرعية النظام.
لذا، فإن العودة لطاولة المفاوضات في جنيف هي أيضًا رسالة للداخل الإيراني بأن القيادة تسعى لحل الأزمات عبر الطرق الدبلوماسية.
ومع ذلك، يخشى الجناح المتشدد في طهران من أن تؤدي التنازلات الواسعة إلى “انهيار الدومينو”، حيث ستتبعها مطالب أمريكية بتغيير السلوك الإقليمي.
لذلك، تمارس طهران سياسة “الخطوة مقابل الخطوة”، محاولةً الحصول على مكاسب مالية فورية (مثل: الإفراج عن الأرصدة المجمدة) مقابل وعود تقنية في الملف النووي، وهي سياسة تهدف في النهاية إلى شراء الوقت الكافي لترميم الجبهة الداخلية وتجنب الانفجار الاجتماعي الذي قد يكون أخطر على النظام من الطائرات والصواريخ الأمريكية.
آفاق المرحلة القادمة
إن إيران تدرك تمامًا أنها تلعب في الوقت الضائع، وأن المناورة بين الشرق والغرب باتت تضيق مع زيادة الحشد العسكري الأمريكي.
إن نجاح طهران في تحويل المباحثات من “إملاءات شروط” إلى “مقايضات استثمارية” يمثل ذروة الدبلوماسية البراغماتية، لكنه يظل رهنًا بمدى قدرة واشنطن على قبول إيران كشريك اقتصادي وليس فقط كعدو أيديولوجي.
عام 2026 قد يشهد بالفعل “اتفاقًا تاريخيًا” إذا استطاعت طهران إقناع ترامب بأن مصالح أمريكا تكمن في “الصفقة الكبرى” وليس في “الحرب الكبرى”.
ومع انتظار الجولة القادمة في فيينا، تظل سماء المنطقة ملبدة بغيوم الحرب، بينما تستمر طهران في تحريك أحجار الشطرنج بذكاء، محاولةً الخروج من عنق الزجاجة بأقل الخسائر الممكنة، لتبقى “المناورة” هي السمة الأبرز لسياسة إيرانية لا تعرف الاستسلام السهل، بل تعرف كيف تحول الأزمات إلى فرص للبقاء.
إن المباحثات الجارية ليست مجرد نقاش حول أجهزة الطرد المركزي، بل هي إعادة صياغة لموقع إيران في النظام العالمي الجديد.
وسواء نجحت المناورة أو فشلت، فإن النتائج ستغير وجه الشرق الأوسط لعقود قادمة؛ فإما بزوغ فجر تعاون اقتصادي غير مسبوق، وإما غرق المنطقة في أتون مواجهة قد لا تبقي ولا تذر.
وفي الحالتين، أثبتت طهران أنها لاعب يتقن فن البقاء على حافة الهاوية دون السقوط فيها.

