يواجه السودان واحدة من أعقد وأخطر الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخه الحديث، حيث انزلقت البلاد إلى نفق مظلم من الحرب الأهلية والانهيار المؤسسي الذي طال كافة مناحي الحياة.
وترى مصادر أن القرارات التي اتخذها الفريق أول عبد الفتاح البرهان، منذ توليه زمام الأمور عقب الإطاحة بنظام البشير، وصولاً إلى إجراءات 25 أكتوبر 2021 وما تلاها من اندلاع شرارة الحرب في أبريل 2023، كانت المحرك الأساسي لهذا التدهور المريع.
وقالت: إن السياسات التي اعتمدت على تغليب الحلول العسكرية على التوافقات السياسية، والتمسك بالسلطة بعيدًا عن الرغبة الشعبية في التحول الديمقراطي، أدت بالضرورة إلى انفجار الأوضاع وتحول المدن السودانية، وعلى رأسها الخرطوم، إلى ساحات للمعارك المفتوحة التي لم تفرق بين أهداف عسكرية ومدنية، مما خلف واقعًا مأساويًا يتجاوز وصف الكارثة.
الجذور السياسية للأزمة وقرارات الانقلاب العسكري
بدأت ملامح الانهيار تتشكل بوضوح عندما قرر الفريق أول عبد الفتاح البرهان في أكتوبر 2021 تقويض الشراكة مع المكون المدني واعتقال رئيس الوزراء وأعضاء حكومته، وهو ما اعتبره المجتمع الدولي والشارع السوداني انقلابًا صريحًا على الوثيقة الدستورية.
هذا القرار لم يكن مجرد تغيير في هرم السلطة، بل كان إعلانًا عن عودة الحكم الفردي العسكري الذي واجهه السودانيون بثورات متعاقبة.
أدى هذا الانغلاق السياسي إلى توقف الدعم الدولي وعزل السودان اقتصاديًا، مما زاد من معاناة المواطن البسيط وبدلاً من البحث عن مخارج آمنة للأزمة.
جرائم الحرب والقصف العشوائي ضد المدنيين
تعد الانتهاكات العسكرية والجرائم المرتكبة خلال سنوات الصراع الأخيرة وصمة عار في سجل القيادة الحالية، حيث وثقت منظمات حقوقية دولية استخدام السلاح الثقيل والطيران الحربي في قصف مناطق سكنية مكتظة بالمدنيين.
هذه العمليات العسكرية المفتقرة للتمييز والضرورة أدت إلى مقتل آلاف الأبرياء وتدمير المستشفيات والمرافق الحيوية ومحطات المياه والكهرباء، مما أخرج المنظومة الصحية والخدمية في السودان عن الخدمة تمامًا.
إن سياسة “الأرض المحروقة” التي اتُبعت في بعض الجبهات، والسكوت عن التجاوزات التي ترتكبها القوات التابعة للجيش أو المليشيات المتحالفة معه تحت مسمى “المقاومة الشعبية”، وضعت البرهان في مواجهة مباشرة مع التقارير الدولية التي تلوح بجرائم حرب وإبادة جماعية، خاصة في مناطق دارفور وكردفان والخرطوم، حيث بات المواطن السوداني يقتل بآلة الدولة التي كان من المفترض أن تحميه.
أكبر كارثة نزوح ومجاعة في القرن الحادي والعشرين
تسبب الصراع الذي يقوده البرهان وخصومه في تشريد أكثر من 12 مليون سوداني، وهو رقم جعل السودان يتصدر قائمة أكبر أزمات النزوح في العالم متفوقاً على أزمات دولية أخرى.
إن عسكرة الاقتصاد وسيطرة المؤسسة العسكرية على الشركات والموارد القومية بعيدًا عن الرقابة المدنية، كانت وما تزال أحد الأسباب الرئيسية لهذا الانهيار.
ومع استمرار الحرب، فقد السودان سيادته على أجزاء واسعة من أراضيه، وباتت التدخلات الخارجية هي المحرك الفعلي للعديد من الملفات، وهو ما يضع البرهان أمام تساؤلات تاريخية حول كيفية تفريغ الدولة من محتواها المؤسسي وتحويلها إلى مجرد ثكنة عسكرية متصارعة.
العدالة الدولية ومستقبل المحاسبة
مع تزايد الأدلة حول الانتهاكات الجسيمة، بدأ المجتمع الدولي في عام 2026 باتخاذ خطوات أكثر جدية نحو المحاسبة. لم تعد التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة تكتفي بالإدانة، بل انتقلت إلى مرحلة توثيق الأسماء والمسؤوليات المباشرة عن جرائم الحرب.
إن التهرب من تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، بل والتحالف مع بعضهم في الحرب الحالية، يضع البرهان في دائرة الاتهام المباشر بالتستر على المجرمين والمشاركة في خلق بيئة تسمح بالإفلات من العقاب.
سيبقى التاريخ يذكر أن الفرصة التي لاحت للسودان عقب ثورة ديسمبر العظيمة قد تم إهدارها من قبل قيادة آثرت البقاء في السلطة على حساب أمن وسلامة الوطن، مما جعل السودان يسقط في هاوية الفوضى التي قد تستغرق عقودًا للتعافي منها.

