ذات صلة

جمع

بين الردع والتفاوض.. لماذا تفضل واشنطن وطهران منطقة “اللا حسم”؟

مع تصاعد الحشود العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، عاد...

صفقة دمشق وواشنطن.. هل كان تسليم قواعد الحسكة ثمنًا لاتفاق دمج “قسد” في الدولة السورية؟

شهدت محافظة الحسكة تطورات عسكرية متسارعة تعكس تبدلاً جذريًا...

أربع سنوات من الحرب.. كييف تعلن الصمود وتؤكد فشل الرهان الروسي

في لحظة رمزية تعكس ثقل السنوات الأربع الماضية، وجّه...

أربع سنوات من الحرب.. كييف تعلن الصمود وتؤكد فشل الرهان الروسي

في لحظة رمزية تعكس ثقل السنوات الأربع الماضية، وجّه...

صفقة دمشق وواشنطن.. هل كان تسليم قواعد الحسكة ثمنًا لاتفاق دمج “قسد” في الدولة السورية؟

شهدت محافظة الحسكة تطورات عسكرية متسارعة تعكس تبدلاً جذريًا في استراتيجية الوجود الأمريكي في سوريا. فبعد عقد من التواجد العسكري المكثف تحت غطاء “التحالف الدولي لمحاربة داعش”، بدأت القوات الأمريكية عمليات “إعادة تمركز” واسعة شملت إخلاء قواعد استراتيجية وتسليمها للسلطات السورية بتنسيق مباشر.

هذه الخطوة، التي بدأت ملامحها بالوضوح عقب إخلاء قاعدة “التنف” عند المثلث الحدودي، وصلت ذروتها بتسليم قاعدة “الشدادي” جنوب الحسكة، مما يشير إلى أن واشنطن قررت تقليص التزاماتها العسكرية الميدانية والانتقال إلى نمط “الوجود النوعي” المحدود.

إن إعادة التموضع هذه لا تمثل مجرد تحرك لوجستي، بل هي إعلان صريح عن انتهاء مرحلة الصراع المفتوح وبدء مرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية التي قد تعيد دمج شمال شرق سوريا ضمن سيادة الدولة المركزية في دمشق.

كواليس إخلاء قاعدة الشدادي الاستراتيجية

تعد قاعدة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي إحدى أهم ركائز الوجود الأمريكي، نظرًا لموقعها الرابط بين الحسكة ودير الزور وقربها من حقول النفط والغاز. وفي منتصف فبراير 2026، أتمت وحدات الجيش السوري استلام هذه القاعدة في عملية وصفت بـ “السلسة والمدروسة”، جاءت عقب انسحاب نحو 350 جنديًا أمريكيًا ومعدات تقنية ثقيلة نحو الأراضي العراقية.

التنسيق الأمريكي – السوري في هذا الملف لم يعد سرًا، حيث تهدف واشنطن من خلاله إلى ضمان انتقال آمن للمسؤوليات الأمنية وتجنب حدوث فوضى قد تستغلها الخلايا النائمة لتنظيم داعش.

وبخروج القوات من الشدادي، ينحسر الوجود الأمريكي في الحسكة إلى ثلاث نقاط رئيسية فقط (قسرك، خراب الجير، وهيمو)، وهي قواعد ذات وظائف استخباراتية ولوجستية محضة، ما يعني تخلي واشنطن عن دور “الحارس الميداني” للمناطق النفطية.

دوافع إدارة ترمب وتغيير العقيدة الدفاعية

يرتبط هذا التحول الميداني بشكل مباشر برؤية إدارة الرئيس دونالد ترمب التي ترفع شعار “إنهاء الحروب الأبدية” وتقليص كلفة الوجود العسكري الخارجي.

وترى واشنطن في عام 2026 أن مهمة القضاء على “دولة الخلافة” كمؤسسة عسكرية قد انتهت، وأن استمرار الوجود في الحسكة بات يشكل عبئًا سياسيًا ومخاطرة غير مبررة بحياة الجنود، خاصة مع تصاعد التوترات مع إيران ورغبة واشنطن في تركيز قدراتها في جبهات أخرى.

كما أن الضغوط التركية المستمرة والمخاوف من انتفاضات عشائرية ضد حلفاء واشنطن (قسد) دفعت صانع القرار الأمريكي إلى اختيار “انسحاب منسق” يضمن مصالح الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب عبر الجو، مع ترك عبء الإدارة الميدانية للأطراف المحلية والقوى الإقليمية المتواجدة على الأرض.

تداعيات إعادة التموضع على مستقبل “قسد”

تمثل إعادة تمركز القوات الأمريكية في الحسكة ضربة قوية للطموحات السياسية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي كانت تعول على الوجود الأمريكي كضمانة لانتزاع حكم ذاتي أو كيان دستوري مستقل.

التقارير الواردة من الحسكة والقامشلي تؤكد أن واشنطن أبلغت قيادات “قسد” بوضوح أنها “لن تطلق رصاصة واحدة” للدفاع عنها في مواجهة أي تقدم للجيش السوري أو القوات التركية.

هذا الموقف دفع “قسد” للدخول في مفاوضات عاجلة مع دمشق أدت إلى اتفاق (يناير 2026) يقضي بدخول القوات الحكومية لمراكز المدن في الحسكة والقامشلي ودمج مقاتلي “قسد” ضمن لواء عسكري جديد يتبع للقيادة العامة للجيش السوري.

وبذلك، يكون الانسحاب الأمريكي من الحسكة قد مهد الطريق فعلياً لعودة مؤسسات الدولة السورية إلى مناطق كانت خارج سيطرتها لأكثر من عقد من الزمان.

المخاوف الأمنية وملف معتقلي “الهول”

رغم التنسيق العالي، ما تزال هناك مخاوف أمنية جدية ترافق إعادة التمركز الأمريكي في الحسكة، خاصة فيما يتعلق بمصير آلاف المعتقلين من تنظيم داعش وعائلاتهم في مخيم “الهول”.

وتزامنت التحركات الأمريكية الأخيرة مع عملية نقل واسعة لـ “أخطر القيادات” من سجون الحسكة إلى العراق، في محاولة استباقية لمنع أي عمليات هروب جماعي قد تحدث خلال فترة انتقال السلطة الأمنية.

وترى مصادر، أن التركيز الأمريكي المتبقي في قاعدة “الرميلان” يهدف بالأساس إلى مراقبة هذه الملفات الحساسة وضمان عدم عودة النشاط الإرهابي لمستويات تهدد الأمن الإقليمي.

إن نجاح هذا الانتقال يعتمد بشكل كبير على قدرة الجيش السوري والقوات الأمنية المحلية على ملء الفراغ الأمريكي بفعالية وتجنب حدوث صدامات عرقية أو عشائرية في تلك المنطقة الحساسة من سوريا.

خارطة طريق جديدة لشمال شرق سوريا

تجسد إعادة تمركز القوات الأمريكية في الحسكة في فبراير 2026 بداية النهاية للتدخل العسكري المباشر لواشنطن في الأزمة السورية، وانتقالها إلى دور “المراقب البعيد”.

هذا التحول يضع جميع الأطراف أمام استحقاقات تاريخية؛ فدمشق تجد نفسها أمام مسؤولية تأمين مناطق شاسعة وحيوية، و”قسد” تواجه حتمية الانخراط الكامل في هيكلية الدولة، بينما يترقب المجتمع الدولي مدى استقرار هذه التفاهمات في مواجهة التهديدات الإرهابية المستمرة.

إن الحسكة، التي كانت لسنوات مسرحًا للتجاذبات الدولية، تتحول اليوم إلى مختبر لنموذج “الانسحاب المنسق”، الذي قد يصبح القالب الذي ستتبعه واشنطن في مناطق أخرى من العالم، تاركةً وراءها إرثًا من الصراعات المعقدة وأملاً ضئيلاً في استقرار مستدام تحت سقف السيادة الوطنية.