لم يعد العمل التجاري في المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا الحوثية مجرد نشاط اقتصادي محفوف بالمخاطر التقليدية، بل استحال إلى معركة بقاء يومية في مواجهة ترسانة من التشريعات التعسفية والفرق الميدانية التي تمارس النهب المنظم تحت مسميات شتى.
فمنذ انقلابها على الدولة، انتهجت المليشيا سياسة “التجويع والتركيع” عبر استهداف الركائز الاقتصادية، محولةً القطاع الخاص من شريك في التنمية إلى “صراف آلي” يغذي خزائنها الحربية، ضاربةً عرض الحائط بكافة القوانين المحلية والأعراف الدولية التي تحمي الملكية الخاصة وحرية التجارة.
شرعنة النهب.. كيف تبتكر المليشيا مسميات الجبايات؟
تعتمد المليشيا الحوثية على استراتيجية “تعدد القنوات” لضمان تدفق السيولة النقدية، حيث لا تكتفي بالضرائب والجمارك القانونية التي ضاعفتها بنسب فلكية، بل استحدثت منظومة موازية من الإتاوات.
تبدأ هذه المنظومة بما يسمى “دعم المجهود الحربي”، مرورًا بجبايات “يوم الولاية” و”المولد النبوي” و”أسبوع الشهيد”، وصولاً إلى فرض مبالغ مقطوعة تحت مسمى “الزكاة” التي تم تعديل قوانينها لتوافق أيديولوجيا المليشيا وسلاليتها.
هذه الممارسات لا تستهدف الربح الفائض فحسب، بل تمتد لتأكل من رأس المال الأساسي للشركات، مما دفع العديد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى إعلان إفلاسها، بينما تجاهد الشركات الكبرى للبقاء فوق سطح الماء عبر القبول بشروط مذلة تفرضها قيادات حوثية نافذة تشرف مباشرة على عمليات التحصيل.
الترهيب الميداني.. السجن والمصادرة كأدوات للتحصيل
لا تتوقف عملية الجباية عند إرسال الإشعارات الورقية، بل ترافقها حملات عسكرية مدججة بالسلاح تقتحم المحلات التجارية والمخازن والشركات.
ويؤكد العديد من التجار في صنعاء وإب والحديدة أن رفض دفع المبالغ المطلوبة، والتي غالبًا ما تكون تقديرية وغير مستندة إلى سجلات محاسبية دقيقة، يعني التعرض الفوري للاعتقال أو إغلاق المنشأة بالشمع الأحمر.
وفي حالات تصعيدية، تقوم المليشيا بمصادرة البضائع بذريعة أنها “مجهولة المصدر” أو “مخالفة للمواصفات”، ليتم لاحقًا بيعها في الأسواق السوداء التابعة لقياداتها.
هذا المناخ من الرعب خلق فجوة عميقة بين الدولة (المختطفة) وبين المجتمع التجاري، حيث بات التاجر ينظر إلى “المشرف الحوثي” كعدو يتربص برزقه، وليس كمسؤول يسعى لتنظيم السوق أو حماية المستهلك.
تدمير البيئة الاستثمارية وهجرة الرأسمال الوطني
إن الآثار الكارثية لهذه الجبايات لم تقتصر على الجانب المالي المباشر، بل أدت إلى زلزال في البنية الاستثمارية لليمن. فقد شهدت السنوات الأخيرة هجرة جماعية للرؤوس الأموال الوطنية نحو الخارج أو باتجاه المناطق المحررة، بحثاً عن بيئة عمل تحترم القانون.
وبدلاً من القطاع الخاص التقليدي الذي بني عبر عقود، بدأت تظهر طبقة جديدة من “تجار الحروب” المرتبطين سلاليًا بالمليشيا، والذين يتمتعون بإعفاءات كاملة من تلك الجبايات مقابل تقديم الولاء المطلق وتسهيل العمليات المالية المشبوهة.
هذا الإحلال الاقتصادي يهدف إلى تجفيف منابع القوة المالية لأي طرف غير موالٍ، وحصر الثروة في يد فئة ضيقة تستخدمها لإطالة أمد الصراع وقمع المعارضين.
انعكاسات الجبايات على المواطن: غلاء طاحن وفقر متزايد
في نهاية المطاف، لا يتحمل التاجر وحده عبء هذه الجبايات، إذ يتم ترحيل هذه التكاليف الإضافية مباشرة إلى كاهل المستهلك النهائي. فكل ريال يدفعه التاجر كإتاوة للمليشيا يترجم بزيادة في أسعار المواد الغذائية والدوائية والخدمات الأساسية.
وفي ظل انقطاع الرواتب وتدهور العملة الوطنية، أصبحت هذه الجبايات سببًا رئيسًا في اتساع رقعة المجاعة؛ حيث تسببت في رفع أسعار السلع الأساسية بنسب تجاوزت 300% في بعض الأصناف مقارنة بما كانت عليه قبل الانقلاب.
وهكذا، تحولت أموال اليمنيين التي تُنهب من التجار إلى صواريخ وطائرات مسيرة تقتلهم، وإلى أرصدة متضخمة لقيادات المليشيا في الخارج، بينما يغرق الملايين في دوامة الفقر المدقع والاحتياج الإنساني.
تقويض القطاع المصرفي والسيطرة على السيولة
لم تسلم البنوك والمصارف من هذه المقصلة، حيث فرضت المليشيا قيودًا خانقة على حركة الأموال وسحب الودائع، مع إلزام البنوك بدفع مبالغ ضخمة تحت مسميات “قانون منع المعاملات الربوية” الذي استخدم كغطاء لمصادرة فوائد الودائع والاستيلاء على استثمارات البنوك في أذون الخزانة.
هذا النهب الممنهج للقطاع المصرفي أدى إلى فقدان الثقة في النظام المالي اليمني، ودفع التجار إلى التعامل بالنقد السائل (الكاش) خارج القنوات الرسمية، مما سهل للمليشيا عمليات غسل الأموال وتمويل أنشطتها العسكرية بعيدًا عن الرقابة الدولية.
إن استهداف البنوك هو الرصاصة الأخيرة في صدر الاقتصاد الوطني، والهدف منه هو تحويل اليمن إلى “اقتصاد ظل” يدار بالكامل من قبل غرف عمليات مغلقة تابعة للمليشيا.

